تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
فكيف يتسنَّى لمخلوقٍ ضعيفٍ وأثرٍ ضئيل ، وامتداد محدودٍ التحكّمُ بالخالق القويِّ الكبير المطلق ؟ وبعبارة أُخرى ؛ لك أن تقول : بأنهما عرضيان يعرضان الماهية الجوهرية ، والله سبحانه وتعالى لا ماهية له بالمعنى الأخصّ ، فكيف يعرضانه ؟ أو قل هو المجرّد المطلق فكيف يحدّه المُقيَّد أو يقيّده المحدود ؟ إنَّ هذه الإجابات الحيوية والجديدة رغم جدّيتها إلا أنها هي الأُخرى لا تفي بالغرض ، بمعنى أنها لا تُوقف الحركة اللمِّية لأصل التساؤل عن ذلك ، فما هو الوجه الآخر في عدم الحاجة لذلك ؟ وهنا نحتاج أن نستنطق بعض النصوص القرآنية التي حملت إشارات خفية سنحاول تقصّيها ، ونسوق بعض الشواهد الروائية على ذلك ، وهي كالآتي : قوله تعالى : وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( العنكبوت : 64 ) . إنَّ السنة والنوم من سنخ اللهو واللعب ، بعبارة أُخرى : إنَّ الحياة الدنيا لضآلتها ونقصها وقصورها اتّصفت بأنها لهو ولعب ، يشوب أصحابها السنة والنوم ، ومقتضى تنزيه الحياة الآخرة عن اللهو واللعب تنزيهها عن السنة والنوم أيضاً ، وبالتالي فإنَّ واهب الحياة الأبدية الخالية من السنة والنوم هو بالأولى خلو منهما ، فكيف له أن يقي مخلوقاته عن ذلك وهو مُتَّصف به ؟ ومن البيِّن بأنَّ أهل الجنة في شُغل عن السنة والنوم ، كما أنَّ أهل النار في شُغل عن ذلك ، أما الثاني فمعلوم ، وأما الأوّل فإنَّ مقتضى النعيم دوام التمتّع به لا الانقطاع عنه ، فضلًا عن كون خصوصيات الجنَّة وظرفيّتها تأبى ذلك ، فالسنة والنوم نقص وحاجة ، وليسا من مراتب الكمال ، ومن الواضح بأنَّ الجنة دار كمال ؛ كما أنَّ هنالك بيانات تتعلَّق بحقيقة الجنّة وكيفية إبائها للنقص