تضعني فمن يرفعني ؟ وقد علمتُ يا إلهي أن ليس في حكمك ظلم ، ولا في نقمتك عجلة ، إنما يعجل من يخاف الفوت ، ويحتاج إلى الظلم الضعيف ، وقد تعاليت عن ذلك يا سيّدي علوّاً كبيراً ) « 1 » .
وبالتالي فتنزيه قيُّوميته عن مطلق الظلم ليس مجرّد مائزٍ عمَّا سواه ، وإنما هو امتياز فريد وخاصّية أُخرى له سبحانه ، أفردته عن جميع الأدعياء التأريخيين للألوهية الكاذبة والحاكميات الدكتاتورية الظالمة ، التي لم يُؤثر عنها غير سياسة القمع والظلم والإقصاء بأبشع صوره ، وحدود ظلمهم لحدود هيمنتهم ، فلو كانت لهم مكنة أكبر لازدادوا ظلماً وجوراً وإرغاماً للأُمّة ؛ فقصروا عن الظلم المطلق لقصور هيمنتهم لا لرحمة منهم ورأفة .
فهو سبحانه الذي تفرَّد بالهيمنة المطلقة والعدل المطلق الذي لا جور فيه أبداً ؛ قال تعالى : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ . . . ( الرعد : 33 ) ، حيث الهيمنة المطلقة ، وقال : شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ( آل عمران : 18 ) ، حيث العدالة المطلقة ، وقد جُمعت الهيمنة المطلقة والعدل المطلق في قوله تعالى : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( هود : 56 ) ، فالأخذ بالناصية يُلائم هيمنة مطلقة ، والصراط المستقيم يُلائم عدله ، بمعنى أنَّ قيُّوميته المطلقة لا تتمايل باتجاهات مختلفة ، وإنما هي سائرة باتجاه واحد لا يعتوره تغيّر ولا تبدّل أبداً ، وهو القيام بالقسط ، وهذا القيام سنّة من سُننه سبحانه في الخلق ، التي لا تقبل التغيير أو التبديل أو التحويل أبداً ؛ قال تعالى : . . . فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا ( فاطر : 43 ) ، وهذه خصيصة أُخرى له سبحانه .
هامش
( 1 ) الصحيفة السجادية : ص 106 . .