قوله تعالى : لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ
أسباب امتناع السِنة والنوم عليه سبحانه
ما دامت العبادة لا يحدّها زمان ومكان وأنه سبحانه المُستحقّ الأوحد لها فإنه لا يُتصوّر معها أن تنال الربّ المعبود سِنةٌ ولا نوم ، وإلا لزم غيبوبة المعبود عن عُبَّاده ، فكانوا أكثر حضوراً منه ، وأشرف كمالًا بوجودهم الجمعي ، وهو باطل جملة وتفصيلًا ؛ وما دامت صفة الغنى المطلق ذاتية له فإنه لا يُتصوّر معها أيضاً الحاجة للسنة والنوم مطلقاً ، وما دامت قيُّوميّته مطلقة وفق البيانات السابقة ، فإنه لا يناله إعياء ونصب ، ولا جهد وتعب ، وبتبع ذلك تنتفي عنه الحاجة للسنة أو النوم ، فالألوهية المُستدعية لعبودية ما سواه له سبحانه ، وغناه المستدعي لافتقار ما عداه له تعالى ، وقيُّوميته المطلقة ، كلّ ذلك طارد للسنة والنوم عنه مطلقاً ؛ بل إنَّ النفي هو فوق مستوى الفعلية ، حيث ينفي الشأنية ابتداءً ، فليس من شأن الحيّ القيّوم الغنيّ أن تناله سنة أو نوم ، وقد عرفت بأنَّ نفي الشأنية بصدد نفي الصورة الذهنية المتوهّمة لحصول ذلك ، فيكون الفعل سالباً بانتفاء الموضوع ، أو بأنَّ انتفاءه ثابت بالأولوية .
وعلى أيّ حال ، فإنَّ هذه التصويرات الأوّلية وإن كانت مُحقّة ومرضية ، إلا أنها غفلت عن كون السنة والنوم مخلوقين محكومين له ، فكيف يُتصوَّر عروضهما عليه ؟ وكيف يتحكَّمان بالله تعالى
وهو القائل : . . . إِنِ الحُكْمُ إِلَّا لِلهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ( الأنعام : 57 ) .
والقائل : . . . ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الحَقِّ أَلَا لَهُ الحُكْمُ . . . ( الأنعام : 62 ) .
والقائل : . . . إِنِ الحُكْمُ إِلَّا لِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ ( يوسف : 67 ) .