وسطاً في قيُّوميّته تعالى على مطلق الأشياء وبشكل مُطلق ، وهذا هو المعنى الآخر لإحاطته بالوجود بجميع شراشره وتفاصيله .
وهذا الأُسلوب الوصفي طالما اعتمده القرآن الكريم ، وقد ألفتنا النظر لذلك في مناسبات عدَّة من هذه الدراسة التفسيرية ، واعتبرناه قاعدة قرآنية كثيراً ما تُذيَّل بها الآيات القرآنية ، فالآية المُذيّلة بالاسم التركيبي : العزيز الحكيم ، والمذيَّلة بالاسم التركيبي : اللطيف الخبير ، ليس من باب حُسن الصياغة والتفنّن في التعبير ، بقدر ما هو بيان وصفي حقيقي لخلفية محتوى الآية ، وهذا ما نلمسه بعمق في مسألة التوكّل ، كما تقدَّم ، فلم يأتِ في ذلك الأمر بالتوكّل على المُميت - مثلًا - أو على اللطيف ، وإنما جاء في ذلك : وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ . . . ( الفرقان : 58 ) ، لبيان أنَّ نكتة الأمر بالتوكّل إنما هي حياته سبحانه ، أو ينتهي عند ذلك ، من قبيل : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( الشعراء : 217 ) ، فالعزَّة ضمانة التوكّل أيضاً ، ولكنها ليس أبلغ في التعبير من موضوعة القيُّومية المُطلقة .
ثم إنَّ القيُّومية وإن كانت تعني الهيمنة التامّة على الوجود الإمكاني بأسره ، كما في قوله تعالى : وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ( طه : 111 ) ، بيد أنها لم تلغِ اختيار الإنسان ، بحسب البيانات القرآنية ، فهي لم تعتبر الإنسان مُجرّد آلة منفّذة ، وإنما هي قيُّومية يُحفظ معها الاختيار بنوع من الموازنة التي تحفظ لنا جدوائية حركة الإنسان وتوجيه الخطاب له من جهة ، وتحفظ لنا فلسفة الثواب والعقاب من جهة أُخرى ، وقد مرَّت بنا بعض الإشارات لذلك في بيانات التوحيد الأفعالي ؛ وهذا الحفظ للهيمنة والاختيار يُعتبر خصيصة أسمائية لله تعالى ، فالمُعتاد في حركة الإنسان العادية ندرة الاجتماع والتوافق بين الهيمنة والاختيار ، فالهيمنة الكلّية للسلطان يصاحبها عادةً فقد للاختيار في حركة الرعية ، وبعبارة أُخرى معاصرة : إنَّ الهيمنة
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 187
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٨٧