البشرية عادة ما تُصاحبها أنماط من الاستبداد والديكتاتورية ، بخلاف ما عليه الحال في الهيمنة الإلهية التي لا يُقاس بها جميع أنماط الهيمنات الأُخرى المُتصوَّرة في المقام ، فإنها تُسجِّل امتيازاً فريداً في السعة من جهة ، وفي حفظ اختيار الإنسان المُهيمن عليه من جهة أُخرى .
إنَّ هذه الهيمنة وإن كانت تستبطن قُوى مُختلفة كالجبروت والقهر والكبرياء والعظمة ، كما في : وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . ( الجاثية : 37 ) ، و : . . . سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( الزمر : 4 ) ، وهو : . . . المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ . . . ( الحشر : 23 ) ، إلا أنها مُفرغة تماماً من كلّ المردودات السلبية التي غالباً ما تُرافق تلك الصفات من حالات الاستبداد والطغيان والظلم والتعدّي في السير التأريخي للإنسان ؛ بل إنها قوى إلهية ممزوجة بكمال اللطف والرحمة ، ولولا ذلك لصار كلّ ما عندنا نهباً للأغيار ، ويصير الفساد التكويني في الوجود الإمكاني هو الصفة الغالبة والحاكمة ، والمُفضية للهلاك والعدم .
إنها بحسب التعبير القرآني قيُّومية بالقسط والعدل وليست قيُّومية الجور والظلم ، ودون أن يكون خيار العدل الإلهي خياراً حتمياً مُلزماً له ، ويُفقده القدرة على المقابل ، فهو سبحانه : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ( الأنبياء : 23 ) ، وإنما لا يصدر منه المقابل لأنه نقص في حقِّه ، فضلًا عن كونه قد كتب على نفسه العدل والقسط ، فإلزامه ذاتي ، والقدرة على المقابل محفوظة ، والمانع تنزيه الذات المقدّسة عن النقص مطلقاً ، فالظلم غير مُتصّور في حقِّه ، لا لعدم قدرته على ذلك ، فهو منحنا القدرة على ذلك ، وفاقد الشيء لا يُعطيه ، وإنما - كما قدَّمنا - بأنه كتب على نفسه العدل من جهة ، وكون الظلم لازمه نسبة النقص له ، وهو مُنزّه عن ذلك مطلقاً ، فالظلم ليس في حكم الله تعالى وكما قال الإمام علي السجَّاد عليه السلام :
( يا رب إن ترفعني فمن يضعني ؟ وإن
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 188
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٨٨