تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
والفقر المادّيين لعلنا نُوفّق لعرضها في مناسبات أُخرى . وقوله تعالى : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ( الأنبياء : 20 ) ، إنَّ هذه الآية تدلّ بشكل صريح على أنَّ الملائكة ، وهم خلق يسيرٌ من خلقه سبحانه ، لا تأخذهم سنة ولا نوم أبداً ، لديمومة تسبيحهم وعدم عروض الفتور عليهم ، وهذه المكنة كمال إلهي ومنحة إلهية منه لهم ، فكيف يكون للمعلول من كمال ما ليس لعلّته التامّة ، وقد ثبت في جميع المباني الفلسفية أنَّ كلَّ كمال وجودي ثابت للمعلول فهو ثابت لعلّته التامّة وبأعلى المراتب ، فيكون انتفاء السنة والنوم عن الملائكة دليلًا على انتفائه عن الله سبحانه ، بل انتفاؤه عنه ثابت بالأولوية ؛ ولو أمكن عروض السنة والنوم عليه سبحانه لتفرَّدت الملائكة بكمال لا منشأ له ، وهو باطل . وقوله تعالى : إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء ( آل عمران : 5 ) ، وعدم الخفاء لازمه عدم عروض مطلق الفتور عليه ، بما في ذلك السنة والنوم ، وإلا لخفي عنه كلّ شيء مقدار ما وقع عليه من سنة أو نوم ، ففي الآية إشارة إلى أنَّ من أسباب انتفاء السنة والنوم عنه : خاصّةَ عدم خفاء شيء عليه في الأرض والسماء في الدنيا ، كما في الآية ، وفي الآخرة أيضاً ، كما في قوله تعالى : يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ المُلْكُ الْيَوْمَ لِلهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( غافر : 16 ) . وقوله تعالى : هُوَ اللَهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ . . . ( الحشر : 22 ) ، فإنَّ مقتضى سرمدية وهيمنة علمه على الوجود بأسره ، الذي لُوِّح إليه بالغيب والشهادة ، أن لا يعتريه أمر يُغيِّبُه عن ذلك ، بل ولا يُتصوَّر ذلك في حقِّه البتّة ، ومن هنا قلنا بأنَّ نفي السنة والنوم الوارد في المقطع الثالث من آية الكرسي كان بصدد نفي الشأنية لانتفاء الفعلية بالضرورة ، فنفت ما يُمكن توهّمه في حقِّه .