خلفية القيُّومية ونمطيّتها
وهنا ينبغي عرض البناءات الأوّلية للقيُّومية ، وبيان الركائز الأساسية التي تنطلق منها صفة بهذا المستوى من الكمال والفاعلية في الخلق ؛ فلا بدَّ من وجود مواصفات استثنائية في الذات الموصوفة بذلك ، بحيث يجعلها مُؤهَّلة لذلك ، وإلا فإنَّ القاعدة العقلية القائلة : ( فاقد الشيء لا يُعطيه ) حاكمة في المقام أيضاً .
فما هي تلك المواصفات المفروضة سلفاً للتلبّس بمثل هذه الصفة ؟
إنَّ البناء الأولي والركيزة الأساسية التي تقوم عليها صفة القيومية تتمثّل بالإطلاقية الوجودية وعدم التناهي للذات المقدّسة ؛ وما يرتبط بها من صفات عينية مطلقة ، فالغنى بالذات والحياة الكاملة في أرقى درجاتها ، والعلم اللامتناهي والقدرة والفاعلية المطلقتان ، كلّ ذلك كان وراء القيُّومية المطلقة لله تعالى « 1 » ، وهي المُوجبة لهذا النمط الفريد من القيُّومية .
ومن البيِّن أنَّ حياته المطلقة الجامعة والمرجع لصفات الذات وقيُّومته المطلقة تُلزمان بضرورة عدم وجود مُقوِّم لغيره سواه سبحانه ، ولذلك فلم يعتمد المقطع الأوّل من الآية الكريمة الأُسلوب الوصفي المجرّد للاسمين ( الحيّ والقيُّوم ) الجامعين لكلّ أسماء الذات والفعل حتى أخذت الوحدة الحقَّة وسطاً فعلياً في الحياة التي يتشعّب ويتفرَّع عنها العلم والقدرة ، وعنهما تتشعَّب فروعهما ، فالوحدة الحقَّة والحياة كأصل جامع لصفات الذات صارا
هامش
( 1 ) بل إنَّ ذلك كان وراء إحاطته بالأشياء أيضاً ، كما سيتّضح ذلك ، وبالتالي صيرورتها تلقائياً حواكي للحقّ ومرايا لكماله المطلق ، أو بحسب التعبير القرآني : آياتٍ ، كما في قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ . . . . فصّلت : 53 . منه ( دام ظله ) . .