( الحيّ القيُّوم ) ، من قبيل : إنَّ الحياة لله محضاً إلا ما أفاضه لغيره ، فحياته سبحانه لا يشوبها موت ولا يعتريها فناء ، وإنَّ القيُّوم هو القائم بذاته والمُقيم لغيره ، فالكلّ مُتقوّم به ، وهي تصويرات لاحظت أثر الاسم ولم تلحظ الاسم نفسه ، كمن يُريد أن يُعرِّفنا بالله تعالى فيقول : هو الرحمن الرحيم الخالق البارئ . . . ؛ فيكون قد لاحظ الأثر وعرَّفنا به دون المؤثّر ، مع أننا نُريد أن يُعرِّف لنا شيئاً آخر ، وهكذا الحال بالنسبة لما جاء في تعريفات الحيّ القيّوم .
تنبيه أوّل : مرَّت الإشارة إلى أنّ الصفات الإلهية ذاتية عينية وأفعالية إضافية ، ويُمكن التعبير عن الذاتية بالثبوتية وعن الإضافية بالإثباتية ، وعن الأُولى بالكمالية وعن الثانية بالجمالية ، فتكون جميعها في قبال الصفات السلبية الجلالية ، ومورد التنبيه هنا يكمن فيما يتعلَّق بصفتي الحيّ القيوم ، حيث يمكن القول بأنَّ الصفات الذاتية العينية الكمالية الثبوتية محكومة لصفة الحيّ ، كما أنَّ الصفات الإضافية الجمالية محكومة لصفة القيُّوم ، فتكون صفتا الحيّ القيُّوم السقف الأعلى الجامع لصفات الذات والفعل ، ولكن ليس هو السقف النهائي المنظوي تحت الذات المقدّسة ، فهنالك الاسم الأعظم ، وقد تقدَّمت جملة بيانات وإشارات لذلك .
تنبيه ثانٍ : الظاهر من كلمات الراغب في المفردات أنَّ المراد من مفردة : القيُّوم هو ما يُساوق قوله تعالى : . . . الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ( طه : 50 ) ، وقوله تعالى : اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( الزمر : 62 ) ، والمعادل الاصطلاحي لهذا الفهم هو كونه تعالى مُعطي : كان التامّة ، التي تعني أصل الوجود ؛ و : كان الناقصة ، التي تعني كمالات الوجود ، دون استثناء ، وهذا المعنى الارتقائي يلتقي مع مقولة : لا مُؤثّر في الوجود ذاتاً إلا الله تعالى ، فتكون الفاعلية الذاتية صفة حصرية لله تعالى غير قابلة للتنزّل ، وما دون ذلك من فاعليات وفواعل تندرج ضمن مقولة الفاعل بالغير فلسفياً ، أو
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 183
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٨٣