شواهد كثيرة على ذلك « 1 » .
وأما المرتبة الرابعة لمرحلة الفهم البرزخي فتكمن في أرضية المقاصد في طلب المعرفة ، فقد يكون الباحث مُتحرراً ومُبدعاً وكثير المراجعة ولكنه لا يحمل ثقافة طلب الحقّ والحقيقة فيُوصد عليه أبواب الفيض ويبقى سعيه ونتاجه لقيود الصور الذهنية ؛ وبعبارة أوضح لا بدَّ أن يحمل اعتقاداً راسخاً بأنَّ هنالك معارف أُخرى فوق أو غير معارفه الصورية في مجال المعارف الإلهية التوحيدية ، فهنالك من ينكر ابتداءً كلّ عوالم الشهود والكشف والتجلّي ، بحجّة أنَّ ما هو عليه هو الحقّ ، فيكون محكوماً لثقافة صحّة ما هو عليه ، لا ثقافة طلب الحقّ .
وهذه النكتة رغم أبعادها الأخلاقية والسلوكية الواضحة إلا أنها ذات تأثير كبير على النتاج المعرفي ، ومن هنا نهى بعض الشامخين « 2 » عن نكران الأُفق
هامش
( 1 ) لعلّ من تلك الشواهد التأريخية الإمامين الشافعي والغزالي ، حيث انشطرت معارفهم إلى شطرين مختلفين تماماً ، حتى عُرف الشافعي بأنه ذو فقهين ، فقه سابق وفقه لاحق ، وهكذا الحال بالنسبة لابن الجنيد الإسكافي ( من معاصري الشيخ الصدوق ) ، ومن المعاصرين الشهيد محمد باقر الصدر الذي تحوَّل في أُخريات حياته من نظرية الشورى في الحكم إلى نظرية ولاية الفقيه بسبب مراجعاته الكثيرة ، ولا نعدم جملة من المعاصرين ، ومنهم سيدنا الأُستاذ الذي عُرف عنه كثرة المراجعات والشجاعة في تبنّي القول الحقّ أو الأصحّ ، فتجده في الأسفار ينفي جملة من المباني التي كان يعتقدها عند شرحه لنهاية الحكمة ، كما تجده يُرشّد جملة من مباني الأسفار عند شرحه لمتون العرفان النظري ، وهكذا .
( 2 ) يدور ذلك بين الشيخ الرئيس في مقولته الشهيرة : ( كلَّما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان ) . انظر : الإشارات والتنبيهات : ج 3 ، ص 418 ، وبين الطباطبائي في ميزانه بعدما ذكر رواية لجابر الأنصاري تتحدّث عن مقامات النبي صلى الله عليه وآله ، حيث قال : ( إيّاك أن ترمي أمثال هذه الأحاديث الشريفة المأثورة عن معادن العلم ومنابع الحكمة بأنّها من اختلاقات المتصوّفة وأوهامهم ، فللخلقة أسرار ، / / وهو ذا العلماء من طبقات أقوام الإنسان لا يألون جهداً في البحث عن أسرار الطبيعة منذ أخذ البشر في الانتشار ، وكلّما لاح لهم معلوم بانَ لهم مجاهيل كثيرة ، وهي عالم الطبيعة أضيق العوامل وأخسّها ، فما ظنّك بما وراءها وهي عوالم النور والسعة ) . انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 1 ، ص 122 ؛ وقد بيَّن ذلك السيد الإمام الخميني قدّس سرّه ، حيث كان كثيراً ما ينهى ولده وتلامذته عن إيكال التهم إلى السالكين ، مُبيّناً بأننا قد أُمرنا بأن لا نحمل كلماتهم على ظاهرها . انظر : مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية : ص 86 .
وهذا هو الصحيح ، فلا بدّ من معرفة أحوالهم الحقيقية وإشاراتهم ليتسنّى لنا معرفة مراداتهم ومقاصدهم ، وممّا يُذكر أنّ الحلّاج قد سأله سائل : ( كيف الطريق إلى الله تعالى ؟ قال : الطريق بين اثنين وليس مع الله أحد . فقال : بَيّن . قال : مَن لم يقف على إشاراتنا لم تُرشده عباراتنا ) . انظر : ديوان الحلّاج : ص 57 . .