وأما المرتبة الثانية لمرحلة الفهم البرزخي فإنها تكمن في شخصية القارئ ، حيث ينبغي أن يكون مُتحرّراً من صفة التبعية والتقليد ، فإنَّ شخصية كهذه يعسر عليها الخروج من دوائر الصورة لاسيَّما بعد استحكام دليلتها ، فالذي انبسطت جميع معارفه التوحيدية على برهان العلّية تجده مُمتعضاً من برهان الصدّيقين ، مع أنَّ برهان الصديقين هو الآخر لا ينفكّ عن المحيط الصوري مع ما يمتلكه من انتقالات جادّة من التحقيق إلى التحقّق ، وأنه يُعطي مساحة جيّدة للتأمّل والتدبّر .
فإذا كان البعض لم يقفز أُفقه المعرفي باتجاه برهان الصديقين اتّباعاً وتقليداً للاتجاه العامّ المُتمسّك ببرهان العلّية فكيف يُتوقّع منه أن يلج عالم الحقيقة والتحقّق ؟
وأما المرتبة الثالثة لمرحلة الفهم البرزخي فإنها تكمن بضرورة التزوّد بثقافة المراجعة المُستمرّة ، فالباحث في المعارف الإلهية قد يكون يحمل شخصية إبداعية وليست تقليدية إلا أنه من الممكن أن يكون قابعاً في دائرة التسليم والمُسلَّمات المعارفية حتى فيما وصل إليه بنفسه ، فتجده يتمدّد عمودياً دون أن يُلاحظ أهمّية التمدّد الأُفقي الذي عادة ما يضطرّه للمراجعات المستمرّة .
إنَّ التمدّد العمودي عادة ما يبعده عن الأوّليات ، بخلاف التمدّد الأُفقي ، ولذلك من المعيب جدّاً أن لا تكون للباحث مراجعات فصلية على أقلّ التقادير ، ومن هنا تفهم القيمة المعرفية التي انتهى إليها جملة من أعلام المسلمين ، التي بلغوها بواسطة المراجعات المستمرّة ، وقد ترك لنا التأريخ
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 179
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٧٩