تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
الأوّل : البقاء على المعرفة الصورية وإعلان العجز عمَّا سوى ذلك . الثاني : الانتقال إلى ساحة السير والسلوك ، وهذا أمر لا إشكال ولا شُبهة في كبرويته ، وإنما الخطر والزلل يكمنان في صغرويته ، لاسيَّما في صورة البناء على ضرورة وجود الأُستاذ المُسمَّى بالشيخ في لغة العرفان العملي والتصوّف ، ولعلَّ من تأْملُ منه الوصول بك لضفاف المعرفة الحقّة يكون علّة في تسفّلك وسقوطك في وادٍ سحيق : . . . فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ( الحجّ : 31 ) ، فكلّ أُستاذ لا يرتقي بك فهو طير وحشيّ يلتهم فيك ما بقي ، كالغرائز عند طاعتها تفتك بصاحبها ، وهو ريح لا يمهلك فرصة النجاة لسرعة السقوط . الثالث : البحث عن طريق برزخي يرتقي بنا من أرضية التحقيق ومحدودية الصورة ، ويطلّ بنا على فسيح التحقّق ، وهذا ما نسعى إليه ونأمل تحقيقه . إنَّ أُولى مراتب المرحلة البرزخية لفهم الحياة الإلهية هي ضرورة الإقرار بأنَّ الصورة الذهنية الحاصلة للعالِم بها لا تمثّل الحياة الحقيقية للذات المقدّسة ، وأنها لا تُشكّل أُفقاً معرفياً حقيقياً للتوحيد الذاتي الحقيقي ، وإنما هي محطّة طاردة للأغيار صورياً ، ممَّا يعني أنَّ جميع المستويات المعرفية التي تُقدّمها مدارس المُتكلّمين ومدرسة المشّاء الفلسفية لا تعدو تلك المحطّة الأُولى ، التي لا تخرج في أعلى مراتبها عن التوحيد الصوري والعرض الصوري لجميع صفات الذات التي تقف في طليعتها الحياة الإلهية ؛ فإذا ما تُصوِّر بأنَّ هذا المستوى المعرفي الصوري هو التوحيد المطلوب التوفّر عليه ، فذلك خروج فعلي عن دائرة التوحيد « 1 » .
هامش
( 1 ) من هنا تفهم سرّ الهجوم والكلمات اللاذعة التي يُكيلها بعض أعلام العرفاء على مدارس المتكلّمين والفلاسفة عموماً ، فذلك ناشئ من اعتقاد هذه المدارس بالتوحيد الصوري / / الذي تلفّه شُبهات الشرك ، فتجدهم ينعتون الفلاسفة والمتكلّمين بالجهل والقصور تارة وبالضلالة تارة أُخرى ، ولا ريب بأنهم لا يقصدون أشخاصاً بعينهم بقدر ما يعنون منهجهم المعرفي ونتائجه العقيمة في نظرهم ، وبطبيعة الحال فإنَّ الحال لا يختلف كثيراً عن توجيه سهام الطعن من قبل المتكلّمين والفلاسفة تجاه العرفاء ، وهم يعنون المنهج بعينه . .