اللطيفة الثانية : الحياة الإنسانية والحياة البهيمية
إنَّ الإنسان وإن كانت حقيقته كامنة في روحه إلا أنه لا يخلو من تركّبه من روح وجسد ، والإنسانية تكمن في حياة الروح ، والبهيمية تكمن في حياة الجسد ، فإذا ما اشتغل بالروح فوق اشتغاله بالجسد - فضلًا عن الانحصار بها - فذلك هو الإنسان ، والإنسانية مقام يعلو مقام الملائكة ، وإذا ما اشتغل بالجسد فوق اشتغاله بالروح - فضلًا عن الانحصار به - فذلك هو البهيمة ، والبهيمية مرتع الشيطان .
وكلّ من لم يسر باتجاه الحياة الإنسانية فهو سائر لا محالة باتجاه الحياة البهيمية ؛ والحياة الإنسانية هي التعلّق بالحياة الإلهية الأبدية الخالدة ، فمن لم يطلب حياة الله تعالى فهو طالب لحياة البهائم ، ومن طلب حياة البهائم أُسقط من كلّ اعتبار يُذكر حتى من نفس الاتّصاف بالبهيمية ، ومن هنا تفهم معنى جديداً لقوله تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ( الفرقان : 44 ) .
اللطيفة الثالثة : الحياة بين الإعدام والفناء
إنَّ المطلوب من الإنسان المُلتفت في الحضرة الإلهية أن يسعى حثيثاً لتحصيل الفناء ، والمراد من السعي هو كفّ الالتفات عمَّن سواه سبحانه ، وإما الإعدام فذلك أمر ليس له وليس بمقدوره ، وما يحصل بالموت الاضطراري - ولو كان عمداً - ليس إعداماً للنفس ، وإنما هو فصل للروح عن الجسد ، فالنفس والروح خالدتان ، ولو تُصوّر الإعدام بحقّهما فذلك أمر نحن بمنأى عنه .
فالإعدام لا تطاله يد المخلوق البتّة ، وإنما هو فعل الحيّ القيّوم وحده عند تصوّر وقوعه « 1 » ، وأما الفناء فهو المقصد الحقيقي للإنسان المُلتفت ، وينبغي أن
هامش
( 1 ) فالإنسان وهو أشرف مخلوقاته سبحانه إنما خُلق للبقاء ، فلا معنى لإعدامه ، وإن كان / / إعدامه ممكناً ، ولكنه فعل لا تُبرّره حكمة وجوده ، وأما ما يُروى من الإماتة المطلقة لجميع الخلق ليأتي النداء الإلهي : ( لمن الملك اليوم ؟ ) ، فيردّ على نفسه : ( لله ، الواحد القهَّار ، أين الجبّارون ؟ أين الذين ادّعوا معي إلهاً ؟ . . . ) ، فإنه لا يعني إعدامهم ، ولذلك عبَّرت الراويات بأنه تعالى أماتهم ، ثم تُعبّر بأنه تعالى يبعثهم من جديد ، والبعث والنشر وجهان ينسجمان مع أمر موجود سلفاً لا أنه معدوم . والذي يبدو من بعض النصوص هو أنه تعالى يسلب القدرة من الخلق على النطق ومطلق التصرّف ، فيقرّ الجميع بالعجز ويتأكَّد لهم جميعاً مَن هو الواحد القهَّار . .