تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
حيث هو حيّ ، وهكذا الحال بالنسبة لصفاته العينية الأُخرى . بقي أن نُشير إلى عدّة لطائف تترشّح من معنى الحياة وصلتها بالحياة الإلهية المقدّسة ، وهي :

اللطيفة الأُولى : الحياة الإبقائية والحياة البقائية

مرَّت بنا إشارة للحياة الإبقائية التي مصداقها ما نحن عليه الآن ، بل وكلّ حياة لم يرتقِ صاحبها لمقام الولاية ، وهي الحياة التي سرعان ما تنخرم ، لأنها متوقّفة على إبقاء الله تعالى له ، فإذا لم يشأ الله تعالى إبقاءه فمصيره الفناء والموت الاضطراري ، وهنالك حياة أُخرى لها مسّ بحياة الله تعالى ، وهي حياة الأولياء المقرونة بحياة الله تعالى ، والمُسمَّاة بالحياة البقائية ، فالولي حيّ بحياة الله تعالى ، بمعنى أنَّ بقاءه كائن ببقاء الله تعالى ، أي : ما دام الله تعالى باقياً فهو باقٍ ، وحيث إنَّ حياة الله تعالى أبدية فحياة الولي كذلك ، ومن هنا نفهم معنى الاتّصاف بصفات الله تعالى ، ففي المقام يُراد بذلك الخروج من دائرة الحياة الإبقائية الناقصة إلى فسيح الحياة البقائية الكاملة . والحياة الإبقائية هي الحياة الدنيا الموصوفة بالمتاع كنايةً عن الزوال وعدم القرار ، والحياة البقائية هي الحياة الآخرة الموصوفة بالخلود والدوام والقرار ، قال تعالى : يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ( غافر : 39 ) ، بل إن الحياة البقائية هي الحياة الحقَّة وما سواها مجرّد لهو ولعب ؛ قال تعالى : وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( العنكبوت : 64 ) ، والتعبير باللهو واللعب للكناية عن فقدانها القيمة الحقيقية ، لأنَّ اللهو واللعب فاقدان للقيمة ، ولذلك فإنَّ الذي لا يستفيد من وقته بشيء نافعٍ ، يُقال عنه بأنه لاهٍ ، فلا يجني من وراء لهوه ولعبه وعبثه سوى التيه والضلالة والندم .