تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
تحقيقياً فإننا سوف نأتي بغير المدوّنات الكلامية والفلسفية ، ولذلك سوف نحاول تحرّي الطريق البرزخي - كما نبَّهنا لذلك - وهو منفذ قرآني خالص ، وهذا ما يدعونا للتوقّف عند جملة من النصوص التي تعرَّضت لحياة الذات المُقدّسة وقَيُّوميتها المُطلقة ، والتي منها النصّ المُتقدِّم الذي تكرّر عينه في أوّل سورة آل عمران ، ومنها قوله تعالى : هُوَ الحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( غافر : 65 ) ، وفي هذا النصّ يحصر الحياة الحقَّة بالذات المقدّسة ، فلم يُشر للذات المقدّسة المحكية بالضمير : ( هو ) بمُطلق الحياة التي يُعبّر عنها عادة بالنكرة ، وإنما جاء بها مُعرَّفة ، وهذا التعريف سواء أفاد الجنس والحقيقة أم الاستغراق فالدلالة واحدة ، علماً بأنَّ مفردة : ( الْحَيّ ) خبر أوّل للضمير وليست صفة ، وبالخبر تتمّ الفائدة بخلاف الصفة . إذن فالنتيجة الأُولى لحياة الذات المقدّسة هو كونها مُتفرّدة بالحياة الحقيقية الحقَّة ، لا يُشاركها في ذلك وجود آخر ، ومن هنا تفهم معنى كون حياته عين ذاته ، فكلّ صفة عينية تعني انحصار اتّصاف الذات بها ، وما عداها فالنسبة غيرية أو مجازية ، فهو الحيُّ والمُحيي وحده ، وما سواه مُحيى به ، ولا ريب بأنَّ كلّ من كانت حياته غيرية يكون عاجزاً عن إيهاب الحياة لغيره ، فالمعنى الحرفي أبديّ الاستمداد فلا يُتوقَّع أن يستمدّ الغيرُ منه ، وما دامت الحياة الحقّة مختصّة به سبحانه فيجب أن لا يُدعى غيره ، وأن لا يُدعى بها غيره أيضاً « 1 » ، وذلك هو أشرف مراتب الإخلاص لدينه الذي يبدأ وينتهي بتوحيده .
هامش
( 1 ) التعبير ب - : ( أن لا يُدعى غيره ، وأن لا يُدعى بها غيره ) يحكي جملتين مُختلفتين تماماً ، هو تعبير دقيق جداً ، فجملة : ( أن لا يُدعى غيره ) تعني أن لا يُعبد غيره أبداً ولا يُنظر إلى غيره بصفة الألوهية ، وأما التعبير بجملة : ( وأن لا يُدعى بها غيره ) فتعني عدم إطلاق صفة الحياة على غيره أبداً ، ولذلك خصّ السيد الأُستاذ هذا المعنى الآخر بأنه يمثّل أشرف مراتب الإخلاص . .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 173 | السيد كمال الحيدري