ومنها قوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ( الفرقان : 58 ) ، وهنا تُؤكد لنا الآية الكريمة أمرين ، الأوّل انحصار التوكّل به ، فلا يُتوكّل إلا عليه ، والسرّ في ذلك هو كونه سبحانه الحيّ وحده ، فالألف واللام التي يترشّح من عهديتها انحصار الحياة به تُرشدنا إلى أنَّ التوكّل والاعتماد ينبغي أن يكون على موجود حيّ ، ولا حيَّ سواه ، فلا يُتوكّل إلا عليه .
وأما الأمر الثاني فهو توكيد معنى حياته الحقّة ، وجدوائية التوكّل عليه ، وهو كونه لا يموت ، فمن كانت له حياة ذاتية لا موت فيها أبداً جدير بأن يُتوكّل عليه .
فهذه الحياة الحقّة المُتفرّدة بالبقاء ، الموجبة للتوكّل عليه ، هي المصداق الأوّل للكمال المطلق ، وأما الحياة الإبقائية فهي عرضة للسقوط والتسافل ، ولذلك عُبّر عن مصداقها بالحياة الدنيا ، وباللهو واللعب ، وبالمتاع القليل ، وبمتاع الغرور ، ولذلك لم تكن هذه الحياة الإبقائية مطلباً للعقلاء فضلًا عن الحكماء فضلًا عن العرفاء فضلًا عن الأنبياء والأوصياء عليهم السلام .
ومن كانت حياته حقَّة سرمدية لا يشوبها موت أبداً فله القيُّومية أوّلًا وآخراً ، جملةً وتفصيلًا ، وكما أن الحياة الحقّة منحصرة به فكذلك القيومية ، ولذلك فإنّ من أقرب الوجوه الإعرابية لمفردة القيّوم في آية البحث : اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . . . ، هو كونها خبراً آخر للفظ الجلالة ، وإنما أُخّرت القيومية على الحياة لعدم إمكان تصوّرها بدونها .
وما دامت حياته سرمدية لا يشوبها موت أبداً وله القيّومية بذلك فإنَّ حياة كهذه لا تُتصوّر بدون العلم المُطلق ، ومن هنا قيل بأنَّ حياته تعني علمه ، كما أنَّ علمه حياته ، وهذا التداخل في الصفات يحكي لنا بوجه من الوجوه معنى كون صفاته الذاتية عين ذاته ، فهو حيّ من حيث هو عالم ، وهو عالم من
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 174
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٧٤