تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
النكتة الرابعة : وهي ذات صلة وثيقة جدّاً باختلاف المراتب المعرفية ، فباختلافها سوف تختلف مراتب ودرجات التكليف المطلوب امتثاله ، فكلّما ازدادت درجات المعرفة ازدادت درجة العبودية لله تعالى والطاعة له ، أي : ازدادت المسؤولية ودرجة التشبّث بالعمل أكثر فأكثر . ولا يخفى أنّ هدف الشريعة الإسلامية هو صرف وجهة الإنسان نحو عالم الغيب وتحجيم تعلّقه بالمادّيات . كما أنّ المناط هو نوعيّة العمل وكيفيّته لا كمّيته ، الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . . . ( الملك : 2 ) ، فعبّر بأحسن ولم يعبّر بأكثر ، إشارة منه سبحانه إلى نوعية العمل لا كمّيته ، ولا يعني ذلك انحصار الزيادة في البُعد الكيفي وإن كان هو المنظور في الأعمال أوّلًا وبالذات ، إنّما الزيادة شاملة للكمّ أيضاً مع حفظ الكيف . فالزيادة طولية وعرضية ، أي في البُعدين الكيفيّ والكمّي ، ويتّضح لنا معنىً أدقّ لقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : ( إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُكلِّم الناس على قدر عقولهم ) « 1 » ، ومن جملة التكليم بيان تكاليفهم ومسؤوليّاتهم . وعنه صلى الله عليه وآله : ( إنّما يرتفع العباد غداً في الدرجات وينالون الزلفى من ربّهم على قدر عقولهم ) « 2 » ، وما نفهمه من مفردة العقول هو المعرفة ، أي على قدر معارفهم تكون درجاتهم وحسابهم ، وعلى أقلّ التقادير أن تكون المعرفة إحدى المعاني البارزة لذلك ، بل هي الأبرز في ذلك كلّه من جميع ما يُذكر في المقام .

عود على بدء

بعد هذه الجولة المعرفية نكون قد اقتربنا من معنى الْحَياة والْقَيُّومية لله تعالى في قوله تعالى : ( اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ ) ، فإذا ما انطلقنا منطلقاً
هامش
( 1 ) أصول الكافي : ج 1 ، ص 23 ، ح 15 . ( 2 ) تحف العقول : ص 54 . .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 172 | السيد كمال الحيدري