كاملًا أم سائراً في طريق كمالات الحقّ - فهو آخذ عنهما صلى الله عليهما وآلهما .
ولعلّ أوّل من التفت لذلك هم طلاب المعارف الحقّة ، وإن زاغ كثير منهم إلا
أنهم جميعاً أدركوا هذه الحقيقة وثبّتوها في مدوّناتهم ، بل جعلوا ذلك شرطاً للقبول .
ولعلّ هذا المعنى الدقيق الشريف قد ضمّنه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله :
( ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليَّ الطير ) « 1 » ،
فالسيل إشارة إلى فيض علمه ومعرفته ، ولا يرقى إلى ذلك العلم أحدٌ ، فلا يساويه ولا يعلو عليه أحد من هذه الأُمّة ومن سائر الأُمم الأُخرى - سوى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله - مهما حصل عليه المقيس به من معارف وتحقّق به من المقاصد ، وكيف يُتصوّر مساواته بمن هو منحدرٌ عنه ؟ !
وقد أشار إلى هذا الرقيّ والانحدار الصحابيّ الجليل عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه عندما سُئل عن علمه ونسبته إلى علم أمير المؤمنين عليه السلام فقال :
( وما علمي وعلم الصحابة في علم عليّ إلّا كقطرة في سبعة أبحر ) « 2 » ،
وكأنه أراد القول كقطرة في ماء الوجود كلّه ، وحَبر الأُمة أعلم بما يقول .
وبذلك نخلص إلى أنّ أعلى المراتب المعرفية الحقّة وأشرفها صادقة على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، ثمّ تنحدر عنهما المراتب المعرفية الأُخرى وتُفتح أبوابها أمام سائر الأنبياء والمرسلين والأوصياء والأولياء والصدِّيقين ؛ ممَّا يعني أنّ دائرة المعرفة الحقّة ليست مغلقة على من حَظِيَ بكمالات العصمة فحسب ، بل هي مشرعة أيضاً أمام الجميع ، وكلٌّ آخذٌ من الحقّ بحسب استعداده ورفده وقدره ، وهذا السير المعارفي للإنسان هو علّة وجوده ابتداءً وخلاصة ظهوره انتهاءً .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة الشقشقيّة .
( 2 ) ينابيع المودّة ، للقندوزي الحنفي : ج 1 ، ص 80 . .