المُشاهد إلى مقام الفناء ، فإنّ الفناء في المطلق لا يلغي الرقعة الوجودية
والسقف المعرفي المحدودين في قبال المُفنى فيه ، وبعبارة أُخرى : إنّ الفاني وإن كان بفنائه يغيب عنه حدّه وحدوده فلا يلتفت إلى ذلك لغيابه في الظاهر المطلق ، إلّا أنّ واقعه الوجودي محفوظ في مرتبته المعلومة ، وبذلك سوف يبقى على معرفته الإجمالية وإن علت مراتبها بفعل الفناء « 1 » .
هامش
( 1 ) لقد تفرَّد العرفاء الشامخون بعرض البيانات الأولية لمعاني الفناء والصحو والمحو ، والفناء في الفناء ، وغير ذلك من الاصطلاحات الأساسية في دائرة السير والسلوك ، ولكن بصورة هي أقرب للرمزية نظراً لدقّة المطالب وعظمتها ، فلا ترتقي إليها أفهام المُتلقّين ما لم يكونوا من الخواصّ أو خواصّ الخواصّ ، وقد ذكر سيدنا الأُستاذ شذرات منها في جملة من مدوّناته ، منها : ( من الخلق إلى الحق ) ، و : ( معرفة الله ) ، و : ( العرفان الشيعي ) ، فضلًا عمَّا في دروسه غير المُدونة ، ونظراً لكون المقام غير ناظر إلى عرض هكذا مطالب فإنه ( دام ظله ) لم يتعرّض لفكّ رموز هذه المطالب ، ونظراً لأهمّية هذا المطلب سوف أُحاول بيان معنى كون الفاني في الله مُتلبِّساً برقعته الوجودية ، وما معنى فنائه ، وهل هنالك مرتبة فوق الفناء .
ولنبدأ بمعنى الفناء فإنَّ من معانيه الأولية عدم الالتفات إلى الأغيار مُطلقاً ، فلا حاضر عنده أحد غير الله تعالى ، وأما المرتبة التي تفوق ذلك فهو عدم الالتفات إلى نفس عدم التفاته السابق ، فهو لا يلتفت إلى الأغيار ولا يلتفت إلى التفاته بأنه غير مُلتفت للأغيار ، وهذه المرتبة هي المُسمّاة بالفناء في الفناء ، فلا يبقى شيء من الالتفات مطلقاً ، وعندئذ لا يبقى شيء سوى الله تعالى . وأما معنى كون الفاني مُتلبِّساً برقعته الوجودية فهو أنه بفنائه الثاني فضلًا عن الأول لا يمرّ بمرحلة العدم مُطلقاً ، فهنالك فرق عظيم بين الفناء وبين الإعدام ، والإعدام يعني إلغاء الرقعة الوجودية للفاني ، ولذلك نقول بأنَّ الفاني بمرتبتيه الفنائية تبقى رقعته الوجودية لأنه لا يُعدم ذاتاً وإنما يُعدم حضوراً بمعنى الالتفات ، فالمعدوم حقيقة هو مطلق الالتفات - للأغيار ابتداءً ولنفس التفاته ختاماً ، وأما نفس الذات فعدمها أمر مجازي ، وإلا لما بقي معنى لقولنا لصاحب مقام الفناءين بأنه فانٍ ، لأنه بحسب الفرض غير موجود فكيف يُوصف بذلك ، ومن الواضح بأنَّ جميع الأنبياء / / والأوصياء والمعصومين عليهم السلام قد بلغوا تلك المراتب في حياتهم فكيف يُوصفون بذلك وهم أحياء يُرزقون ، ولقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام يُشير لمقام الفناء بقوله :
( ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه ) .
انظر : مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية : ص 22 . فهو عليه السلام لا يرى غير الله سبحانه ، أو قل بأن المنظور له أولًا وبالذات هو الله تعالى وليس الأثر المعلول له ، فذلك منظور ثانياً وبالعرض ، فليس للمعلول من الظهور ما لعلّته . .