وهذا الحضور في الأشياء بلا ممازجة والخروج بلا عزلة ، يكشف لنا سرّاً خفيّاً عن استمرار وديمومة عالم الإمكان بأسره ، فما دام هذا الحضور قائماً فعالم الإمكان حاضر أيضاً .
جدير بالذكر أنَّ البينونة الموجبة للعزلة تعود بنا إلى القول بالوحدة
العددية ، وقد عرفت أنَّ وحدته وحدة حقيقية حقَّة ، وعليه فلا يُمكن أن تكون بينونته بينونة عزلة بأيّ شكل من الأشكال وإنما هي بينونة صفة ، وقد اتّضح لك معنى ذلك ، وبذلك تكون هذه الكلمة النفيسة بصدد إثبات وحدته الحقَّة ، وهذا ما التفت إليه بعض الأعاظم في تفسيره لهذه الجملة المباركة .
قال الطباطبائي : ( إنَّ الخطبة مسوقة لبيان كون وحدته تعالى وحدة غير عددية ؛ لصراحته في أنَّ معرفته تعالى عين توحيده ، أي : إثبات وجوده عين إثبات وحدته ، ولو كانت هذه الوحدة عددية لكانت غير الذات ، فكانت الذات في نفسها لا تفي بالوحدة إلا بموجب من خارج عن جهة ثبوت الذات . وهذا من عجيب المنطق وأبلغ البيان في باب التوحيد الذي يحتاج شرحه إلى مجال وسيع . . . ) « 1 » ، ولعلنا نُوفَّق في مناسبات أُخرى للوقوف على تفاصيل تلك الخطبة النفيسة الجليلة .
العلاقة بين كلمة التوحيد وبرهان الصدّيقين
إنَّ لمطلع آية الكرسي ، وهو قوله تعالى : اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، صلة وثيقة ببرهان الصدّيقين « 2 » ، الذي يُعتبر من البراهين السديدة ، بل هو أسدّ البراهين
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 6 ، ص 102 .
( 2 ) قيل بأنَّ السرّ في تسمية برهان الصدِّيقين بذلك هو ما أطلقه الشيخ الرئيس في « إشاراته » على الحكماء المستدلّين بذلك بالصدّيقين فاستفيد منه إطلاق هذه التسمية على نفس البرهان ، فنبّه لذلك بقوله : ( إنّ هذا حكم الصدّيقين الذين يستشهدون به لا عليه ) . / / انظر : الإشارات والتنبيهات ، لابن سينا : ج 3 ، ص 66 .
والنقل صحيح ، وسبق لنا أن نبَّهنا لذلك في كتابنا : ( معرفة الله : ج 1 ، ص 393 ) ، ولكنَّ الأوفق أن يُقال في ذلك بأنَّ سرّ التسمية يرجع إلى ما استدلّ به إخوة يُوسف الصدّيق على يُوسف ، حيث استدلّوا به عليه ، وهو قوله تعالى : قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ يوسف : 90 وحيث إنَّ يُوسف كان صدِّيقاً بنصّ القرآن فقد أُطلق هذا العنوان على هذا البرهان ، أي : استدلّوا على الصدّيق بالصدّيق نفسه ، وأما تسمية الحكماء بالصدِّيقين فلا وجه له ، علماً بأنَّ الصدّيقية الحقّة هي فرع معاينة الشيء لا مجرّد وصفه والاستدلال عليه بالصورة ، كما هو ديدن الحكماء ، فيكون وصفهم بذلك فيه نسبة واضحة من التجوّز .
جدير بالذكر أنَّ الحكيم الخواجة الطوسي رحمه الله يرى أنَّ المراد ب - « الصدّيقين » في تسمية هذا البرهان هو كونه أصدق الوجهين ، حيث اعتمد المتكلّمون على البرهنة الإنّية ، واعتمد هؤلاء الحكماء على البرهان اللمّي ، ومن الواضح أنّ هذا المعنى أجنبيّ عن مقام الصدّيقين ، فإنّ الذي ارتقى إلى مقام الصدّيقية غنيّ عن ذلك الكمّ من المقدّمات العقلية الذي ساقوه في تقريب هذا البرهان ، كما أنّ الذي يقف على هذا البرهان ويُحكمه جيّداً لا يكون صدّيقاً حقيقيّاً إلّا بالمعنى النظريّ الظاهريّ ، مع أنّ الصدّيقيّة مقام بطانته التحقّق بالحضور لا بالحصول ، وقد عرفت ذلك .
جدير بالذكر أنَّ كلمة : ( صدّيق ) هي صيغة مبالغة ، بمعنى كثير الصدق ، فإذا كانت الأدلّة الأُخرى صادقة في إثبات مُدَّعاها فهذا البرهان هو الأشدّ صدقاً ، لأنَّ الأُخرى نحتاج فيها أن تفرغ من صدق مقدَّماتها ، بخلاف هذا البرهان الذي مقدَّماته عين نتيجته ، وهو معنى كونه سبحانه ( وهو مقدّمة ) الدالّ على ذاته ( وهي النتيجة ) ، وهذا وجه وجيه أيضاً . منه ( دام ظله ) . .