أنه بتحليل حقيقة الفاعل البعيد ننتهي إلى أنه ليس له دور في تركيبة علّة الفعل التامّة إلا بمنحها الوجود وتفويضها وتمكينها من أداء دورها مع احتفاظ الفاعل البعيد بحقّ النقض والقدرة على ذلك ، وسلب الفاعل القريب تلك الإمكانات ، وأما عملية إيجاد الفعل نفسه فإنه تعالى لم يُباشرها ، وإلا لزم الجبر ،
وإنما هي عملية متروكة للفاعل القريب ؛ فالله تعالى منح الفاعل القريب القدرة كاملة على أداء الفعل والقيام به ، ولكن دون أن يستقلّ به ، بمعنى الإذن وعدم منعه من وقوع ذلك ، وإلا فله القدرة على منع إيقاع ذلك الفعل ، سواء من فاعل قريب واحد أم من عدّة فواعل ، فما شاءه يكون بفعل الفاعل القريب وما لم يشأه لا يكون ، ولو اجتمع أهل الأرض وكان بعضهم لبعض ظهيراً .
نعم ، هنالك نوع تحفّظ على التصوير الثاني أيضاً ، ولكن دون أن يلغي أرجحيّته ، وهو نفس التحفّظ الذي لوَّحنا به تجاه القاعدة الفلسفية : ( الواحد لا يصدر منه إلا الواحد ) « 1 » ، التي عرضناها بوجه آخر غير المُتعارف عليه ،
هامش
( 1 ) إنها قاعدة فلسفية ، طرحها فلاسفة الإغريق القدماء ، ومفادها أنَّ الواحد المجرّد البسيط معلوله واحد بسيط أيضاً وليس الكثير ، فلا تصدر الكثرة من الواحد أبداً ، وقد واجهت هذه القاعدة معوّقات كثيرة في مباني الفلسفة المشَّائية القائلة بوجود التباين في عالم الكثرة ، فتعذّر انطباق القاعدة ، ولذلك لجأوا إلى عدَّة حلول كان أهمّها دعوى الشيخ الرئيس ابن سينا بمقولة العقول العشرة ، وبالتالي فإنَّ العلّة الأُولى لم يصدر منها إلا واحد فقط وهو الصادر الأوّل ( العقل ) ، ومنه جاء الصادر الثاني ، حتى يصلوا بنا إلى العقل العاشر المسمَّى بالعقل الفعال الذي صدرت منه الكثرة ، فالله تعالى واحد وعالم الإمكان كثير ذو حقائق متباينة ، وبذلك يكون فاقداً للترابط ، وهو كما ترى حلّ صوري ، فالعقل العاشر هو الآخر وجود مجرّد أيضاً ومشمول للقاعدة أيضاً فكيف صدرت منه الكثرة ؟ !
من هنا طرحت فلسفة الحكمة المتعالية حلًا آخر يستقيم مع القاعدة ، حيث اعتمدوا على أُطروحة الوجود الواحد المُشكّك المسمَّى عندهم بالتشكيك الفلسفي أو الخاصّي ، فالوجود واحد ذو مراتب تختلف في الشدّة والضعف ، وما به الامتياز عين ما به / / الاشتراك ، فهو واحد في عين أنه كثير وكثير في عين أنه واحد ، ويُمكن التمثيل للتشكيك الخاصِّي بنور المصباح ونور الشمس فإنهما يشتركان في النورية ويتمايزان بها أيضاً ، فالأول نوره ضعيف والثاني شديد ، في قبال التشكيك العامّي أو المنطقي الذي يكون ما به الامتياز غير ما به الاشتراك ، كنور المصباح ونور الشمس أيضاً ، فإنهما يشتركان في النورية ويختلفان في القوابل ، فقابلية المصباح للنورية غير قابلية الشمس ، كما هو واضح ، فإن لُوحظ وحدة الاشتراك والامتياز فذلك هو التشكيك الفلسفي الخاصّي ، وإن لوحظ الاختلاف في جهة الاشتراك والامتياز فذلك الشكيك العامّي المنطقي ، فانتبه .
وعليه فهذا العالم ( عالم الإمكان ) واحد في عين أنه كثير ، وكثير في عين أنه واحد ، لأنَّ كثرته كثرة تشكيكية مراتبية فلسفية خاصّية ، وليست كثرة تباينية عامّية منطقية . ثم إن عَرَضَ للقاعدة قبلنا بفكرته وفقاً للحكمة المتعالية وخالفنا في تصويره ، وسيأتي إيجازه . منه ( دام ظله ) . .