تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
إحاطته تعالى بكلّ شيء إحاطة بما هو عليه ، والفعل الاختياري في نفسه اختياري ، فهو المحاط المنسوب إليه تعالى وإلى العبد ) « 1 » . والحاصل أنه على الأوّل فالله تعالى فاعل بعيد ، والعبد فاعل قريب ، أما على الثاني فهو تعالى قريب في بُعده ، وبعيد في قُربه ، كما عبَّر عن ذلك أمير المؤمنين علي عليه السلام بكلمة - سنقف عندها فيما بعد - يصف بها ربَّه جلّ وعلا : ( . . . لا يشبهه صورة ولا يُحَسّ بالحواسّ ولا يُقاس بالناس ، قريب في بُعده ، بعيد في قُربه ، فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه . . . ) « 2 » . وعلى أيّ حال فممَّا لا ينبغي الإغفال عنه : حفظ مساحة الاختيار للإنسان في أداء الفعل المُفاض من قبل الله تعالى عليه ، فالإنسان مختار في فعله الاختياري ، فإذا اختار فعلًا ما فإنَّ الله تعالى يفيض عليه وفق ما اختاره وانتخبه ، فالاختيار ثابت للإنسان ومحفوظ له ، فإن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، ولكنّ إشاءته ملحوقة بالإفاضة ، فإذا وقع للإنسان باختياره أن ضرب شخصاً بالسوط ظلماً وعدواناً فإنَّ الله تعالى يفيض عليه فعل الضرب ، وهكذا لو وقع له أن أقام الحدّ على شارب الخمر ضرباً بالسوط أيضاً ، فإنَّ الله تعالى يفيض عليه الفعل أيضاً ، فكلا الفعلين مُفاضان من قبله تعالى ، غاية ما في الأمر أنَّ فعل الضرب الأوّل يُسمَّى معصية ، وفعل الضرب الثاني يُسمَّى طاعة ، ومن هنا يتّضح بأنَّ هذين العنوانين ( الطاعة والمعصية ) اعتباريان ، لأنَّ حقيقة الفعلين في وجودهما الخارجي واحد لا غير ، وهذا واضح . إذن فأداء الفعلين بعد إرادتهما من قِبَل الإنسان وإفاضتهما من الله تعالى
هامش
( 1 ) الكلمة للسيد العلامة الطباطبائي . انظر : الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 6 ، ص 372 ، التعليقة الأولى . ( 2 ) أُصول الكافي : ج 1 ، ص 85 ، ح 2 . .