ما ، وهو ممنوع عقلًا ونقلًا .
إنَّ هذه الاحتمالات الثلاثة يُقابلها احتمال رابع مُستفاد من النصوص القرآنية ، فالقرآن يطرح حلًا مُغايراً لأصل الإشكال ، فهو تارة ينسب كلَّ شيء - بما في ذلك فعل الإنسان الاختياري - إلى الله سبحانه ، قال تعالى : . . . قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( الرعد : 16 ) ، فالآية تٌبيِّن لنا أنَّ كلَّ ما وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق لله تعالى ، ثم تُعلِّل ذلك بكونه الواحد القهَّار ، وتارة ينسب صدور الفعل إلى الإنسان ، بعد أن يأمرهم به ، كما في قوله تعالى :
وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( التوبة : 105 ) ، والجامع بين النسبتين هو صدور الفعل من الإنسان باختياره ولكن بعد حصول الإذن من الله تعالى ، فالإنسان ليس قادراً على فعل كلّ شيء ، حتى وإن كان ذلك الشيء مُمكناً ، كما جاء صريحاً في قوله تعالى : وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ . . . ( الكهف : 23 - 24 ) ، وبالتالي لا جبرَ في المقام لمقام الاختيار في وقوع الفعل ، ولا تفويض أيضاً لمقام الإذن منه تعالى ، ولا يلزم الشرك منه لأنَّ الفاعل المُباشر هو الإنسان نفسه ومحض اختياره ، وهنالك نصوص قرآنية جمعت الأمرين معاً ، حيث تُشير إلى كون الفعل من الإنسان اختياراً ولكنَّ هذا غير كافٍ في صدوره ، فالأمر يتوقّف على إذن منه تعالى ، من قبيل الإشارات الخفيّة التي تضمّنها قوله تعالى : . . . وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً . . . ( لقمان : 34 ) ، فالآية تقرّ بأنَّ جهة صدور الفعل من الإنسان ، ثم تُنبّه إلى وجود الإذن والمشيئة ، فذلك شرط في تحقّق ما يبتغيه الإنسان .
بل إنَّ هنالك نصوصاً قرآنية صريحة نسبت فعلًا معيّناً لله تعالى تارة ، وللإنسان تارة أُخرى ، وللملائكة تارة أخيرة ، رغم أنَّ هذا الفعل ليس ممَّا يصدر من الإنسان عادة ، أو يكاد أن يكون مُختصّاً بغير الإنسان ، فكيف بما
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 115
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١٥