الذي يحكي الذات المقدّسة الجامعة لكلّ كمال وجمال وجلال بوجوده اللامُتناهي ، كما أنَّ المُقايسة بين صفاته الأسنى تقتضي تقدّم صفة الوحدة الحقيقية الحقَّة ، فمن لوازمها توحّده في جميع أسمائه وصفاته ، فلا يُتصوّر في البين شيء لتكون له وحدته ، أو كما يُقال : ليس سواه في الدار من ديار ، تصديقاً لقوله تعالى : . . . قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ( النساء : 78 ) ، وهو سبحانه مع ذلك كلّه كما تقدَّم في قوله صلى الله عليه وآله :
( ظاهره موصوف لا يُرى ، وباطنه موجود لا يخفى ، يُطلب بكلّ مكان ، ولم يخلُ منه مكان طرفة عين ، حاضر غير محدود ، وغائب غير مفقود ) « 1 » .
فسبحان من هو : ( واحد لا من عدد ، ودائم لا بأمد ، وقائم لا بعمد . . .
لا كالأشياء فتقع عليه الصفات ، قد ضلَّت العقول في أمواج تيّار إدراكه ، وتحيّرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليّته ، وحُصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته ، وغرقت الأذهان في لُجَج أفلاك ملكوته . . . فلا دهر يخلقه ، ولا وصف يحيط به ) « 2 » ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم .
النكتة الخامسة : مراتب التوحيد
تقدّم وفي أكثر من مورد « 3 » عرض أقسام التوحيد ، وهي التوحيد الذاتي ، والتوحيد الصفاتي ، والتوحيد الأفعالي ، وما يهمّنا في المقام هو الأخير .
فضلًا عمَّا تقدّم في موضوعة التوحيد الأفعالي فإنه يعني أنَّ كلّ فعل يصدر في هذا العالم حدوثاً وبقاءً ، بما في ذلك فعل الإنسان - محور عالم الإمكان -
هامش
( 1 ) معاني الأخبار : ص 10 ، ح 1 . باب : ( معنى التوحيد والعدل ) .
( 2 ) من خطب الإمام علي عليه السلام في مسجد الكوفة . انظر : توحيد الصدوق : ص 69 ، ح 26 .
( 3 ) يعني في مجموع دراساته وكتبه ( دام ظله ) ، ومنها في هذا السفر الجليل . .