الدينية جميعاً - باعتبارها تنزّلًا له ، وباعتباره محوراً لها - كانت الوحدة غير العددية هي اللون الذي صُبغت بها تلك المعارف ، ومن ثم جاء التأكيد عليها بشكل مُكثّف في النصّ الديني ، وذلك لتعثّر الذهن الاختصاصي ، فضلًا عن الذهنية العامّة ، في الكشف عن هذه الحقيقة ، حيث نجد أنَّ الفلسفة والكلام لم تُوفَّق للتنظير لها قرابة ألف عامّ .
إنَّ هذه الظاهرة المُلفتة إن دلَّت على شيء فإنما تدلّ على أنَّ العقل البشري غير المعصوم عاجز عن الوصول إلى مثل هذه الحقائق منفرداً ومنفصلًا عن العقل المعصوم ، وبالتالي يتّضح لنا حجم الخسارة المعرفية التي أُصيبت بها الأُمة جرَّاء الإقصاء الذي مُورس بشدّة ضدّ أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فلم يُمكّنوهم من تولّي مناصبهم الإلهية وأداء رسوم مرجعيتهم الفكرية
والدينية بالنحو المُفترض ، فأدَّى ذلك كلّه إلى وقوع إخفاقات خطيرة أفضت إلى سلسلة من التأويلات غير المُبرَّرة للنصوص وإلى جملة من الصياغات الاجتماعية والسياسية المغلوطة التي ما زالت تعيش في دوائر كبيرة من المجتمع الإسلامي وترسم له طريقة تفكيره .
تنبيه أوّل : بعد أن ثبت لدينا بأنَّ كلمة ( الله ) تحكي الاسم الأعظم للذات المتعالية المُستجمع لكلّ كمال وجودي مفروض ، وأنَّ كلمة التوحيد العظمى ( لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) تعني الوحدة غير العددية أو الحقيقية الحقَّة ، يبرز أمامنا وجه التجانس بين الكلمتين وسرّ استتباع كلمة التوحيد لكلمة الجلالة في الآية الشريفة ، فإنَّ الوحدة التي لا تقبل الثاني تتأسَّس على أساس ذاتٍ تحمل عمق اللاتناهي في الكمال .
تنبيه ثان : إنَّ صفات الله تعالى ، سواء بالإطلاق أو عدم التناهي أو بالوحدة الحقّة ، وما شابه ذلك ، إنما المُدرك منها بالنسبة لنا هو ظواهرها ، أو ما يُمكن تسميته بالمفاهيم القابلة للإدراك العقلي والإثبات البرهاني ، وأما
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 111
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١١١