الإخلاص له نفى الصفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنَّاه ومن ثنَّاه فقد جزَّأه ، ومن جزَّأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدَّه ، ومن حدَّه فقد عدَّه ) « 1 »
) . وفي نصّ آخر :
( من حدَّه فقد عدَّه ، ومن عدَّه فقد أبطل أزله . . . ) « 2 » .
فقد رتَّب العدّ على المحدودية ، ورتَّب عليهما بطلان القِدَم والأزل ، لأنه إذا صار محدوداً صار مسبوقاً وملحوقاً بعدمه ، وهذا هو معنى الحدوث ، والحادث مُمكن الوجود ، والإمكان يُقابل الأزلية ويُضادّها ، في حين إنه سبحانه كما عبَّر عليه السلام في خطبة أُخرى له :
( سبق الأوقاتَ كونُهُ ، والعدمَ وجودُهُ والابتداءَ
أزلُه ) « 3 »
) ، فيكون محصّل ومفاد الخطبة المزبورة هو أنَّ كمال معرفته تعالى يستوجب نفي الوحدة العددية عنه وإثبات الوحدة الحقيقية الحقَّة .
وقد علَّق صدر المُتألهين على كلمة الإمام عليه السلام :
( ومن أشار إليه فقد حدَّه . . . )
قائلًا : ( أي : من أشار إليه بأيّ إشارة كانت - حسّية أو عقلية - بأن قال : هاهنا أو هناك ، أو كذا وكذلك ، فقد جعله محدوداً بحدٍّ خاصّ ، ومن حدَّه بحدٍّ معيّن فقد عدَّه ، أي : جعله واحداً بالعدد لا بالحقيقة ، وقد ثبت أن وحدته الحقَّة ليست مبدأ الأعداد وواحد الأفراد والآحاد ) « 4 » .
فيتلخَّص لنا من كلّ ذلك أنَّ الوحدة التي تناولتها الأدلّة النصّية - عرضاً واستدلالًا - هي الوحدة غير العددية ، وأنها هي التي تنسجم - حصراً - مع عدم تناهي الذات المقدّسة ، ولمَّا كان التوحيد أساس التنظير للمعارف
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ج 1 ، ص 14 خطبة رقم : ( 1 ) .
( 2 ) المصدر السابق : ج 2 ، ص 40 خطبة رقم : ( 152 ) .
( 3 ) المصدر السابق : ج 2 ، ص 120 خطبة رقم : ( 146 ) .
( 4 ) الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة : ج 6 ، ص 141 . .