متناه ، وأنَّ وحدته إطلاقية قهَّارية فلا بدَّ أن لا يكون موصوفاً بالقليل بالضرورة ، ولا يعني ذلك أنه سيكون موصوفاً بالكثرة - والعياذ بالله - فإنَّ وحدته لا تبقي في قبالها شيئاً ليكون قليلًا في قبال الكثير أو كثيراً في قبال القليل ، وإنما تعني وحدته تعالى نفي العددية عنه مطلقاً بقلّتها وكثرتها معاً ، وهذا هو الغنى المطلق ، أو كما عبَّر البعض « 1 » بأنَّ وحدته سبحانه علوّ الذات وتفرّدها بالعظمة ، فانتبه ولا يشتبه عليك ما في التعبير ، فذلك ضيق الخناق .
إذن فغيره إنما يتّصف بالواحد العددي ، وهو قليل إذا نُسب إلى الاثنين والثلاثة ، فإنَّ الوحدة العددية المُتفرّعة على محدودية المُسمَّى بالواحد لازمها
تقسّم المعنى وتكثّره ، وكلما زاد التقسيم والتكثّر أمعن الواحد في القلّة والضعف بالنسبة إلى الكثرة الحادثة ، فكلّ واحد عددي فهو قليل بالنسبة إلى الكثير الذي بإزائه ، ولو بالفرض .
قال الطباطبائي : ( وأما الواحد الذي لا حدَّ لمعناه ولا نهاية له فلا يحتمل فرض الكثرة ؛ لعدم احتماله طرو الحدّ وعروض التميز ، ولا يشذّ عن وجوده شيء من معناه حتى يكثره ويقوى بضمّه ، ويقلّ ويضعف بعزله ، بل كلّما فرض له ثان في معناه فإذا هو هو ) « 2 » .
هامش
( 1 ) لعلّه الشيخ محمد عبده ، في قوله : ( الواحد أقلّ العدد ، ومن كان واحداً منفرداً عن الشريك محروماً من المعين كان محتقراً لضعفه ، ساقطاً لقلّة أنصاره . أما الوحدة في جانب الله فهي علوّ الذات عن التركيب المشعر بلزوم الانحلال ، وتفرّدها بالعظمة والسلطان ) . انظر : نهج البلاغة : ج 1 ، ص 112 ، في ذيل خطبته عليه السلام المُرقّمة عنده برقم : ( 65 ) .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 6 ، ص 95 .
ولك أن تسأل : لمَّا كان الحدّ الأوسط للوحدة غير العددية هو عدم التناهي وعدم المحدودية ، فَلِمَ جعل علماء الإسلام أصل الأُصول الاعتقادية التوحيد لا الصرافة وعدم التناهي ، وقد صرَّح الطباطبائي بهذا قائلًا : ( ولهذا بعينه تركنا عقد بحث فلسفي مستقلّ / / لهذه المسألة ، فإنَّ البراهين الموردة في هذا الغرض مؤلّفة من هذه المقدّمات المبيّنة في كلامه لا تزيد على ما في كلامه بشيء ، والجميع مبنيّة على صرافة الوجود وأحدية الذات جلّت عظمته ) . الميزان في تفسير القرآن : ج 6 ، ص 105 ، كما إننا حينما نقرأ كلّ فقرات النصوص المُشار إليها نجد أنها تُركّز على مسألة اللاتناهي وعدم الحدّ ، فهل يُمكن أن يُفسّر ذلك على أساس الموقف الفقهي وأنَّ الحدّ الأدنى المطلوب هو الإيمان بالوحدة أم ماذا ؟
وجوابه : إنما عدلوا عن جعل اللاتناهي أصلًا من أُصول الاعتقاد ، وربما يكون لأحد سببين :
الأول : إنَّ اللاتناهي دليل وحدٌّ أوسط لمنظومة المعارف ، والاعتقاد يتعلَّق بالنتائج والتي منها الوحدة ، وإلا كما جاء في السؤال فإنَّ اللاتناهي أساس كلّ الصفات .
والثاني : تصوّر اللاتناهي لعموم الناس ليس أمراً ميسوراً ، خاصة بالالتفات إلى ما ذكر في نظرية المعرفة من أنَّ الذهن البشري لا يُمكنه استيعاب اللامتناهي إلا بحدود الحمل الأولي دون الشائع ، بخلاف الوحدة فإنه يُمكن تصوّرها للجميع ، وكلّ بحسبه . .