وستفهم بُعداً آخر لكلمة إمام الموحّدين علي عليه السلام حيث يقول :
( ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله وبعده ومعه ) « 1 » ،
وهو المقام الأرفع في التوحيد بمراتبه الثلاث ، الذاتي والصفاتي والأفعالي ، لا يناله إلا من أوصد أبواب حاكمية عالم المادّة مُطلقاً ، كما تقدّم ذلك « 2 » .
فيترشّح من كلمتي النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله والوصيّ الأعظم عليه السلام أنهما بصدد بيان وحدته الحقَّة ، وأنَّ هذه الوحدة القهَّارية من لوازمها جامعية الظهور والبطون معاً ؛ قال الطباطبائي : ( كلامه صلى الله عليه وآله وسلم مسوق لبيان وحدته تعالى غير العددية المبنيّة على كونه تعالى غير محدود بحدّ ، فإنَّ عدم المحدودية هو الموجب لعدم انعزال ظاهر توحيده وتوصيفه تعالى عن باطنه ، وباطنه عن ظاهره ، فإنَّ الظاهر والباطن إنما يتفاوتان وينعزل
كلّ منهما عن الآخر بالحدّ ، فإذا ارتفع الحدّ اختلطا واتّحدا . وكذلك الظاهر الموصوف إنما يحاط به ، والباطن الموجود إنما يخفى ويتحجّب إذا تحدّدا فلم يتجاوز كلّ منهما حدَّه المضروب له . . . ) « 3 » .
بقي أن نقف قليلًا عند قوله عليه السلام :
( كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل ) ،
فإنها كلمة نفسية جداً ، وهي كافية لإثبات المطلوب كلّه ، فالغير موصوف بالوحدة أيضاً ، ولكنها وحدة في قبال الكثرة ، أعني أنها الوحدة العددية ، فمن كان وحيداً فهو قليل بالضرورة نسبة ومقايسة للكثرة الكاثرة التي تقف في قباله ، فحدوده ومنتهاه تُملي عليه أن تكون وحدته عددية ، ومن كان واحداً بالعدد فهو قليل جداً ، فإذا ما عرفنا بأنَّ الله تعالى مطلق وغير
هامش
( 1 ) انظر : مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية ، للإمام الخميني قدّس سرّه : ص 22 .
( 2 ) انظر : الفصل الرابع من الباب الأول ، تحت عنوان : ( الطهارة والإيمان سُلَّمان معرفيان ) .
( 3 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 6 ، ص 103 . .