وجود حدّ بين ظاهره وباطنه ، فهو كلاهما معاً « 1 » ، ومن هنا تفهم وجهاً وسرّاً جديداً
لقوله تعالى : وَلِلهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( البقرة : 115 ) ، ففي المشرق والمغرب إشارة للظهور والبطون ، فافهم .
هامش
( 1 ) ربما يُستدرك على ذلك فيُقال : إنَّ الظاهر والباطن يبقيان من المفاهيم القياسية ، وليسا هما كالعلم والقدرة ، ومن ثم غير المتناهي يجعل من العالم والقادر علماً كلّه وقدرة كلّها ، من دون حدود ، ولكن كيف يجعل منه ظاهراً وباطناً بحيث يكون لهما معنى مُحصّل مع غير التناهي ؟
وجوابه : ذكرنا في دراسات سابقة ( في أبحاث التوحيد ) أنَّ هذه المفاهيم إنما تظهر عندما تُؤخذ مقيسة إلينا ، فهي ليست أوصافاً له في نفسه على حدّ العلم والحياة والقدرة ، بينما في الأوّل والآخر والظاهر والباطن لو لم يكن هناك ما يُقاس إليه لم تكن هذه الصفات ؛ قال الغزالي : ( اعلم أن الأول يكون أولًا بالإضافة إلى شيء والآخر يكون آخراً بالإضافة إلى شيء ، وهما متناقضان ، فلا يتصوّر أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شيء واحد أوّلًا وآخراً جميعاً ، بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتّبة فالله تعالى بالإضافة إليها أوّل ؛ إذ الموجودات كلّها استفادت الوجود منه ، وأمّا هو فموجود بذاته وما استفاد الوجود من غيره . ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت مراتب منازل السائرين إليه فهو آخر ؛ إذ هو آخر ما يرتقي إليه درجات العارفين وكلّ معرفة تحصل قبل معرفته فهي مرقاة إلى معرفته والمنزل الأقصى هو معرفة الله سبحانه وتعالى ، فهو آخر بالإضافة إلى السلوك ، أوّل بالإضافة إلى الوجود . فمنه المبدأ أوّلًا ، وإليه المرجع والمصير آخراً . وكذا - الظاهر الباطن . . . أيضاً من المضافات ، فإنَّ الظاهر يكون ظاهراً لشيء وباطناً لشيء ولا يكون من وجه واحد ظاهراً وباطناً ، بل يكون ظاهراً من وجه بالإضافة إلى إدراك ، وباطناً من وجه آخر ، فإنَّ الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات ، والله سبحانه وتعالى باطن إن طُلب من إدراك الحواسّ وخزانة الخيال ، ظاهر إن طُلبِ من خزانة العقل بطريق الاستدلال ) . انظر : المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى : ص 146 . منه ( دام ظله ) . .