تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
فهذا توكيد للظاهر القرآني الدالّ على ظرفية الكرسي للسماوات والأرض ، وهذا السؤال الصادر من زرارة بن أعين ، ذلك العالم الفقيه ، قد يبدو للوهلة الأولى سؤالًا ساذجاً لا ينبغي الالتفات له ، ولكن بنظرة تفحصّية يتبيَّن لنا أنه سؤال يستبطن سؤالًا آخر يتعلَّق بالقراءة ، فأراد زرارة أن يستفهم عن احتمال كون ( كُرْسِيّه ) منصوباً على المفعولية ، وهذا ما يقتضي أن يكون الكرسي مظروفاً لا ظرفاً للسماوات والأرض ، وهذه القراءة على المفعولية تُثيرها شكوك حول كيفية تحقّق ظرفية الكرسي للسماوات والأرض ، كما تقدَّم ، وهو سؤال ملحاح تقتضية التأمّلات الأوّلية للعقل المنطلق من الاعتبارات الحسّية ، وأما إذا كان المنطلق هو إضفاء الصفة العلمية للكرسي وللعرش فلا موضوع للسؤال البتّة . وعن الأصبغ بن نباتة قال : ( سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن قول الله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فقال : إنَّ السماء والأرض وما فيهما من خلق مخلوق في جوف الكرسي ، وله أربعة أملاك يحملونه بإذن الله ) « 1 » ، كما تقدّم في إثبات ظرفية الكرسي لعالم الحسّ - كقدر مُتيقَّن - إلا أنَّ هنا نكتة أُخرى وهي بيان محدودية الكرسي من خلال حمل الملائكة الأربعة له ، وهذا التصوير يُقرّب لنا فكرة كون المراد من الكرسي العلم ، أو مرتبة من مراتب العلم الإلهي . وعن عبد الله بن سنان : ( عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام في قوله عزّ وجلّ : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ؟ فقال : السماوات والأرض وما بينهما في الكرسي ، والعرش هو العلم الذي لا يقدّر أحد قدره ) « 2 » ، وفيه إشارة - فضلًا عمَّا تقدّم من بيان الظرفية - إلى إمكان الإحاطة بالكرسي علماً دون العرش .
هامش
( 1 ) تفسير العياشي : ج 1 ، ص 138 ، ح 458 . ( 2 ) الدرّ المنثور : ج 1 ، ص 260 ، ح 1037 . .