فالمفهوم والقالب يُوضّحان فكرة دور العرش ، والمصداق والمادّة يُوضّحان فكرة دور الكرسي ، ومنه يظهر وجه أقربية عالم الكرسي إلينا من عالم العرش .
وقد تقدّمت كلمة الإمام الصادق عليه السلام : ( والعرش هو العلم الذي لا يقدّر أحد قدره ) ، وأيضاً كلمة الإمام علي عليه السلام : ( كلّ شيء خلقه الله في جوف الكرسي ما خلا عرشه فإنه أعظم من أن يحيط به الكرسي ) بما يُوضّح المراد .
7 . بيان مصداق الشافعين
عن معاوية بن وهب قال : ( قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام : قوله : مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ - أي : من هم ؟ - قال : نحن أولئك الشافعون ) « 1 » .
ولعلّ ذلك بيان للمصداق الأبرز ، فلا يُراد الانحصار به ، وهنالك نصوص كثيرة تُثبت سعة الشافعين للمؤمنين يوم القيامة ، بل كلّ مؤمن له شفاعة ؛ قال الطباطبائي : ( وقد عرفت أنَّ الشفاعة في الآية مطلقة تشمل الشفاعة التكوينية والتشريعية معاً ، فتشمل شفاعتهم عليهم السلام ، فالرواية من باب الجري ) « 2 » ؛ أي : إنها لا تختصّ بمصداق دون آخر ، فكلّ من أحرز كمال الشفاعة ، له أن يشفع فيمن يُؤذَن له فيهم ، ولكن مع تفاوت المراتب بين الشفعاء ، كما هو واضح « 3 » .
هامش
( 1 ) المحاسن : ج 1 ، ص 183 ، ح 174 .
( 2 ) عيون أخبار الرضا عليه السلام : ج 1 ، ص 71 ، ح 289 .
( 3 ) أقول : إنَّ من الفوارق المهمَّة يبن الشفعاء : أنَّ شفاعة الآخرين من غير آل محمد عليهم السلام لا يُلازمها القبول ، بخلاف شفاعتهم فإنها مقبولة ولا تُردُّ أبداً ، ولعلّ مردّ ذلك هو لكونهم لا يشفعون إلا في صورة معرفتهم بالقبول ، أو لأمر آخر مُرتبط بولايتهم وكونهم الواسطة في الفيض ، وهذه الواسطة وجودية مطلقة لا يحدّها زمان ومكان ، ولا عالم مادّة ولا تجرّد ، لأنها وظيفة كمالية قائمة ما دام عالم الإمكان قائماً . .