لابدَّ أن يكون هذا الكرسي على مقدار كبير من العظمة جعلت منه مستودعاً للسماوات والأرض معاً ، وهذا المعنى من العظمة والعلوّ يحتاج إلى إرساء وتركيز ، وكان هذا الأمر من خواصّ ووظائف الاسم الخاتم للمقطع أو الآية ، وفي المقام جاء اسم : الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لِيُلبِّي هذه الحاجة المعرفية ، هذا من جهة . ومن جهة أُخرى ، وهي الأهمّ ، أنَّ هذا المقام الكمالي للكرسيّ الذي ناله بسعته للسماوات والأرض وحفظهما وعدم التثاقل في ذلك قد يترك أثراً سلبياً لو تُرك على حدّه ، بمعنى أنه سوف يُثير غباراً ويُحدث ضوضاءً وإرباكاً في دائرة التوحيد ، فوجود كهذا - جامع للسماوات والأرض ، وأنه لَا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا - قد يُثير سؤالًا أو يترك شبهة حول وجوبيته ، فجاء الردُّ سريعاً بأنَّ هذا الجامع المانع والحارس الحافظ موكول أمره للعلي العظيم ، فالكرسيّ عالٍ في كماله عظيمٌ في سعته ، ولكنَّ هنالك عليّاً عظيماً فوقه ، والعليُّ ليس فوقه شيء البتّة ، فيكون الاسم قد أدَّى أكثر من وظيفة ، الأُولى وظيفة معرفية تكمن في الإرساء والتركيز للمعاني العالية التي تقدَّمت عليه ، والوظيفة الأُخرى تكمن في حفظ الكمال المعرفي السابق من إيجاد شبهة في ذهن القارئ ، فالاسم الخاتم دليل على مضمون الآية ودافع لكلِّ شُبهة تصحب المضمون السابق ، وستأتينا وظيفة ثالثة لهذا الاسم التركيبي .
هذا ، وقد التفت الطباطبائي لدليلية الاسم الخاتم على مضمون الآية بقوله : ( والقرآن الكريم يصدّقنا في هذا السلوك والقضاء ، وهو أصدق شاهد على صحّة هذا النظر ، فتراه يذيّل آياته الكريمة بما يناسب مضامين متونها من الأسماء الإلهية ، ويعلّل ما يفرغه من الحقائق بذكر الاسم والاسمين من الأسماء بحسب ما يستدعيه المورد من ذلك ) « 1 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 8 ، ص 353 . .