تَرَوْنَهَا . . . ( الرعد : 2 ) ، ولعلنا نُوفَّق في بيان معنى حقيقة العمد وحقيقة الخفاء وعدم رؤيتنا لذلك .
إذن لا يُثقل كرسيَّه حفظُ السماوات والأرض ، أيّاً كان مصداقه ، والحفظ يكون أوّلًا وبالذات للمعنوية منها ، وبهذا الحفظ يكون حفظ الأجرام المادية منها ، والدعامة الحقيقية لذلك الحفظ هو التصريح في ذيل المقطع الأوّل من الآية ، وهو قوله تعالى : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، كما سيأتي .
ثمَّ إنَّ حفظه لمُلكه ومِلكه ومملكته على نعت واحد ، وهو خلاصة مؤدَّى فقرة البحث ، فجاء الحفظ واحداً ، وفي ذلك يقول الفخر الرازي : ( ثمَّ بيّن أنَّ نفاذ حكمه وملكه في الكلّ على نعت واحد ، وصورة واحدة ، فقال : وَلَا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا ثمَّ لما بيَّن كونه قيُّوماً بمعنى كونه مقوّماً للمحدثات والممكنات والمخلوقات ، بيّن كونه قيّوماً بمعنى قائماً بنفسه وذاته ، منزّهاً عن الاحتياج إلى غيره في أمر من الأمور ، فتعالى عن أن يكون متحيّزاً حتى يحتاج إلى مكان ) « 1 » .
قوله تعالى : ( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )
مرَّت بنا الإشارة إلى أنَّ اسم الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ من جملة الأسماء التركيبية المزجية ، فهو على غرار اسم الحَيُّ الْقَيُّومُ ، من حيث التركيب لا المعنى أو الكمال ، وقد تكرَّر هذا الاسم أكثر من مرّة في القرآن الكريم ، حيث ورد في قوله تعالى : لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( الشورى : 4 ) ، في سياقٍ يُشبه إلى حدٍّ كبير ما في سياق آية الكرسي ، ولا ريب بأنَّ هذا الاسم - بصفته جاء خاتمة للمقطع الأوّل من الآية - يكون له خصوصية ، فإنَّ من جملة خواصّ الأسماء الخواتيم : أنها تقدّم لنا تبريراً للمعاني المُتقدِّمة ، ففي المقام يرد سؤال أساسي وهو : كيف لهذا الكرسي أن يسع السماوات والأرض ؟
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 7 ، ص 7 . .