تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨

الأمر الخامس : علاقة الجنّة بالكرسي

اتّضح بأنَّ للكرسي سعة تفوق السماوات والأرض الماديتين ، لتشمل السماوات والأرض المعنوية ، وهنا نُريد بيان العلاقة بين هذه السعة لهذا الوجود الإمكاني وبين ما عليه الجنة من سعة للسماوات والأرض أيضاً ، قال تعالى : وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( آل عمران : 133 ) ، وهاهنا نكات كثيرة نكتفي باثنتين منها لننطلق لبيان وجه العلاقة . النكتة الأُولى : إنَّ الآية لم تُعبِّر بسعة الجنّة للسماوات والأرض وإنما قالت عرضها ، وهنا إما أن يُراد أنَّ عرضها يُعادل عرض السماوات والأرض ، أو المراد أنَّ عرضها نفس السماوات والأرض ، وعلى الأوّل يكون ذكر السماوات والأرض في المقام لأجل المقاسية أو التقريب ، وعلى الثاني يكون تعريف الجنة بهما ، أي : هي السماوات والأرض . النكتة الثانية : إنَّ الآية قد عبَّرت بالعرْض ، ومن الواضح بأنَّ العرض هو أقلّ المسافتين ، بمعنى أنَّ لكلّ موجود طولًا وعرضاً ، وعادة ما يكون الطول أكبر بكثير من العرض ، فإذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض فكيف بطولها ؟ من هنا يُفهم بأنَّ تقريب سعة الجنَّة أو عرضها بعرض السماوات والأرض ، لأنَّ الناس لا يعرفون شيئاً أوسع أو أعرض من السماوات والأرض ، فجيء بهما لأجل التقريب لا لأجل بيان السعة الحقيقية ، وأما السعة الحقيقية للجنة فالقدر المُتيقَّن منها هو سعة السماوات والأرض ، وهذا ما يجعل حقيقة الجنة قريبة من حقيقة الكرسي ، فكلاهما يسع السماوات والأرض ، فإذا ما عرفنا بأنَّ كرسيه يعني علمه فالجنّة هي أيضاً مرتبة من مراتب علمه ، وهذا التصوير الرفيع الدقيق الذي لم يُلتفت له أعلام التفسير بحاجة إلى تأصيل وتعميق وتفريع وتطبيق ، ولعلنا نُوفَّق في عرض بيانات ذلك في البحوث التأويلية للآية الكريمة .