إذن الفقرة بصدد التطبيق لموضوع سابق ، وها هنا عدّة أُمور ينبغي الوقوف عندها بنحوٍ من التفصيل ، تاركين التفصيلات الأُخرى لبحوث التفسير الموضوعي .
الأمر الأوّل : في معنى الكرسي
قبل التعرّض لموضوعة الكرسي ينبغي التنبيه إلى أنَّ العناوين القرآنية ، من قبيل : ( الكرسي والعرش والقلم واللوح والميزان وغيرها ) ، لم يرد فيها ، عن طبقتي الصحابة والتابعين لهم ، بحث حقيقي تحقيقي ، كما هو في المواضيع الأهمّ المُتعلِّقة بمسائل التوحيد ، ولكنَّ هذا لا يُشكِّل عائقاً أو مانعاً من البحث والتحقيق ، فمقتضى القاعدة عقلًا ونقلًا هو إعمال الفكر والتدبّر والتعقّل في المسائل المتعلِّقة بأُصول الدين والمفاهيم القرآنية كقدر مُتيقَّن من أصل المعرفة الواجبة ؛ ولكننا نُفاجأ بوقوع الكلام عند البعض في أصل البحث فيها ، فهنالك من منع أصل البحث فيها معتبراً أنَّ تفسيرها هو تلاوتها والسكوت عنها ، والبعض الآخر اعتبر السؤال عن معناها فضلًا عن البحث فيها بدعة ، وما ذلك إلا لقصور في العلم والوعي معاً ، فالإنسان من حقِّه أن يسأل عن ربِّه ذاتاً وأسماءً وصفات ، ومن الواضح بأنَّ البناء الحقيقي للإيمان والعمل الصالح هو العلم والمعرفة ، والعلم والمعرفة وليدان للسؤال والجواب ، وإلا أصبحا : . . . كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ . . . ( النور : 39 ) ، ولا ندري - وإن كنا ندري - أيَّ موقفٍ سوف يقفه القائل بالتوقّف والبدعية أمام الآيات الحاثَّة على التدبّر في القرآن الكريم ، بل والموجبة لذلك ؟
وكيفما كان ، فلنتركهم جانباً ونمضي قُدماً في التفكّر والتدبّر في كلمات الله تعالى ، وفقاً لدأب المُحصِّلين .
لقد تقدّم « 1 » أنَّ الكرسي في العرف العامّ اسم لما يقعد عليه ، أو الشيء الذي
هامش
( 1 ) ص 179 . .