يتّضح أنَّ الجامع لهما هو العلم ، وإن كانت الرواية الثانية تُشير إشارة خفية إلى كون العرش أرفع في العلم مرتبة ، وهذا ما تقدّم منّا من كون الآية بصدد بيان مرتبة من مراتب علمه التي يعجز عنها الخلق بأسره ، لأنها مرتبة علمية تُحيط بالسماوات والأرض .
وقيل إنَّ كرسيه هو قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض « 1 » ، وغير ذلك من الاحتمالات الممكنة ؛ ولعلّ السرّ في اختلاف النظر في معنى الكرسي هو أنَّ القرآن الكريم - بحسب الظاهر - لم يتعرَّض لموضوعة الكرسي بشكل مُباشر إلا في موضع آية الكرسي ، وهذا ما يعني غياب البيانات القرآنية المُوجِّهة ، وها هنا تظهر وتتجلَّى ضرورة وجود الإمام المعصوم المُبيِّن لِما خفي من القرآن الكريم .
نعم ، هنالك إشارات قرآنية لموضوعة الكرسي سوف ننطلق منها في تأسيس الصورة التقريبية لموضوعة الكرسي ، وقد عرفت - في بحوث سابقة « 2 » - أنَّ النصّ القرآني يسير في اتجاهات ثلاثة ، اتجاه تمهيدي مقدّماتي ، واتجاه مادّة تفسيرية تأسيسية ، واتجاه نتائجي ، والاتجاه الثاني هو ما يُصطلح عليه بتفسير القرآن بالقرآن ، مع أنَّ الاتجاهين السابق واللاحق لا يفترقان عنه في طريقية النصّ القرآني في تفسير نصّ قرآني آخر .
وعلى أيّ حال ، فإنَّ مجال الاحتمالات يفتح النوافذ أمام التأويل ، ونحن لا نريد أن نستبق الوجوه التأويلية في المقام بقدر ما نحاول أن نُقدِّم صورة تقريبية لموضوعة الكرسي ، سوف نُؤسِّس لها في تفسيرنا التجزيئي هذا ، ثمَّ نعاود الكرّة لتعميق الفكرة في التفسير الموضوعي ، ثمَّ نُحدِّد الوجه التطبيقي على مستوى التأويل في بحوث التأويل بنحوٍ يتجاوز مستوى الاحتمال من
هامش
( 1 ) معاني القرآن : ج 1 ، ص 264 .
( 2 ) انظر : الفصل الخامس ( وحدة القرآن وترابطه ) من الباب الأول . .