واعلم بأنَّ قوله سبحانه : ( إِلَّا بِمَا شَاء ) بدل من شيء ، كقولك : ما مررت بأحد إلا بزيد « 1 » ، أي : ولا يُحيطون إلا بما شاء من علمه .
بعد هذه البيانات التوضيحية نخلُص إلى أنَّ قوله تعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شاء ( يفيد معنى تمام التدبير وكماله ، فإنَّ من كمال التدبير أن المدبَّر - بالفتح - بما يريده المدبِّر - بالكسر - من شأنه ومستقبل أمره ، لئلّا يحتال في التخلّص عما يكرهه من أمر التدبير فيفسد على المدبِّر - بالكسر - تدبيره . . . فيبيّن تعالى بهذه الجملة أن التدبير له وبعلمه بروابط الأشياء التي هو الجاعل لها ، وبقية الأسباب والعلل وخاصّة أولو العلم منها وإن كان لها تصرف وعلم ، لكن ما عندهم من العلم الذي ينتفعون به ويستفيدون منه فإنما هو من علمه تعالى وبمشيته وإرادته ، فهو من شؤون العلم الإلهي ، وما تصرَّفوا به فهو من شؤون التصرُّف الإلهي وأنحاء تدبيره ، فلا يسع لمقدّم منهم أن يقدم على خلاف ما يريده الله سبحانه من التدبير الجاري في مملكته ألا وهو بعض التدبير ) « 2 » .
قوله تعالى : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ )
في هذه الفقرة المفصلية تستعرض الآية الكريمة مرتبة من مراتب علم الله تعالى ، وذلك بعد أن تقدّم منه سبحانه أنه يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا ، وأنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بمشيئة منه ، وهنا يأتي التساؤل عن مقدار علمه ، وحيث إنَّ الإجابة عصيَّة ، إذْ لا مقدار لعلم صفته الإطلاق ، فجاء الجواب تطبيقياً ، بأنَّ كرسيه سبحانه وحده قد وسع السماوات والأرض علماً وإحاطة ، ولسان الحال هو هذا التساؤل المحوري : هذا بعض وجوه علمي فما الذي عندكم أنتم ؟
هامش
( 1 ) انظر : إملاء ما منَّ به الرحمن : ج 1 ، ص 107 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 335 . .