النكتة الخامسة : هل المراد من : ( عِلْمِه ) ذات علمه أم معلومه ؟
بنكتة أنَّ علمه سبحانه كلّي فوق مستوى التفصيل ولا يتبعَّض ، فإنه يستحيل تحصيل شيء من علمه ، فيكون المراد من قوله : ( مِنْ عِلْمِه ) هو معلومه لا ذات علمه ، وقد مرَّ ذلك في التفسير المفرداتي للآية ، فعلمه الذي هو صفة ذاتية له لا يُحاط به ، ولا بشيء منه « 1 » ، فيكون معناه : ( ولا يحيطون بشيء من معلومه إلا بما شاء أن يضطرَّهم إليه أو يدلَّهم عليه ، فهو تذكير بالنعمة أي لا ينالون هذه المنزلة إلا بمشيئة ، ولولا ذلك لا يعلمون شيئاً من معلوماته إلا بما شاء ) « 2 » ، كما يُقال : اللهمَّ اغفر لنا علمك فينا ، أي : معلومك فينا « 3 » .
قال القرطبي : ( فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات ، لأنَّ علم الله سبحانه وتعالى - الذي هو صفة ذاته - لا يتبعَّض ، ومعنى الآية : لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه ) « 4 » ، ومن البيِّن أنَّ علمه المطلق لا يُقابله شيء آخر من العلم البتّة ، فإطلاقه لم يترك لسواه شيئاً « 5 » ، فغير المُتناهي لا يقبل الثاني ، فكيف يُفترض علم آخر في قباله ؟ فذلك ممنوع عرضاً وطولًا .
ولكن يُمكن أن يُقال بأنَّ الوقوف على المعلوم علم به ، فإذا عاد العلم
هامش
( 1 ) انظر : إملاء ما منَّ به الرحمن ، لأبي البقاء العكبري : ج 1 ، ص 107 .
( 2 ) انظر : التبيان في تفسير القرآن : ج 10 ، ص 42 .
( 3 ) انظر : مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 160 .
( 4 ) انظر : تفسير القرطبي : ج 3 ، ص 276 .
( 5 ) أقول : وما هو الغير حتى يُترك له شيء ، وهل في قبال وجوده وجود لِيُحمل عليه شيء ؟ سُبحانه ملأ الوجودَ وجُودُه ، وزانه بأسمائه وصفاته ، فلا بينَ حتى يُقال في البين ، وليس لسواه الموهوم سوى ظلّ زانه شرف مدِّه إليه ، وهو القائل : أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا . الفرقان : 45 ، فهو الدليل على ظلِّه ، لا كما ظنَّ الفقراء بأنَّ الظلَّ دليل عليه سبحانه ، تعالى عن أن يكون سواه سبيلًا إليه . .