ذلك أُوقفت الشفاعة التكوينية أو الشفاعة الأعمّ من ذلك على إذن تكويني منه سبحانه ، في حين أُوقف العلم الإحاطي على مشيئته تعالى .
وهنالك دلالة أُخرى يفرضها مدلول كلمة : ( من ) ، مُلتصقة بتنكير الشيئية ، وهي البعضية ، فقوله : ( مِنْ عِلْمِه ) تُفيد بعض علمه ، وهذا يعني أنَّ ذلك الشيء القليل الضئيل من علمه لا يُمكن تحصيله إلا بمشيئة منه ، وأما نفس علمه المطلق فلا طريق له ، فالفقرة لم تُوقف إفاضة علمه المطلق على مشيئة منه ، فذلك سالب بانتفاء موضوعه ، وموضوعه استعداد المُتلقّي ، ولا يُوجد مُطلق غيره ، فانحصر الإطلاق به تعالى ، وفي مجموع هذه الدلالات مضامين أخلاقية وتربوية عالية ، منها طلب الكفّ عن ادِّعاء العبقرية في تحصيل العلم ما دام كلّ ما نتحصَّل عليه مُفاضاً منه تعالى ، ومنها أن ييأس أحد من قدراته الضعيفة في التحصيل فذلك ليس العلّة في التحصيل ، إنما علّته الحقيقية نفس الإفاضة الإلهية ، وكم من مثل تأريخي ومعاصر عزَّ عليه العلم ولم يُفلح معه التعليم لسنوات طوال ، وإذا به بعد حين يكون من الأعلام فضلًا عن العلماء والمُتعلّمين ، وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام فيما قاله لعنوان البصري : ( ليس العلم بكثرة التعلّم ، وإنما هو نور يقذفه الله تعالى في قلب من يريد الله أن يهديه ) « 1 » .
النكتة الرابعة : هل علمنا المفاض بشيء ما يُلازم الإحاطة بالشيء نفسه ؟
في ضوء ما تقدّم يتّضح لدينا مكنون هذه النكتة ، فعلمنا لا يلزم منه الإحاطة ، فقد عرفت - فيما تقدّم - أنَّ الوسائط لابدَّ أن تكون عالمة بعلمها وشفاعتها ، وهذا العلم المُلازم لتحقّق الشفاعة المتوقّفة على الإذن التكويني لا يُساوي الإحاطة بالمعلوم ، فلابدّ من أمر آخر ، أسمته الفقرة القرآنية بالمشيئة .
هامش
( 1 ) منية المريد في أدب المفيد والمستفيد ، للشهيد الثاني : ص 167 . .