تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
ومهما بلغ الإنسان من العلم فما هو إلا يسير ضئيل ، وعن ابن عباس أنه قال : ( لما ركب موسى والخضر عليهما السلام السفينة جاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة ثمَّ نقر في البحر ، فقال له الخضر : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر ) « 1 » . وإذا ثبت لله ذلك كلّه - وهو ثابت البتّة - واتّضح قصور ما عداه في مساحة علمه ، فإنَّ من مُستحقّات إحاطته سبحانه بما أيدينا وما خلفنا ، وعدم إحاطتنا بشيء من علمه إلا بمشيئة منه : انحصار العبادة به سبحانه ، والإخلاص له في ذلك ، فما عداه موسوم بالجهل والغفلة بذاته فكيف يُعبد من دون الله تعالى ، ولَنِعمَ ما التفت إليه الطبري في ذلك ، حيث يقول : ( فإنَّ العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلًا ، فكيف يُعبد من لا يعقل شيئاً البتّة من وثن وصنم ، يقول : أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلّها يعلمها ، لا يخفى عليه صغيرها وكبيرها ) « 2 » .

النكتة الثالثة : ما هي دلالة تنكير المعلوم وهو مُفاض منه ؟

إنَّ قوله : ( بِشَيْءٍ ) ، فيه دلالة مهمّة ، وهي أنَّ التنكير يدلّ على ضآلة ذلك الشيء المعلوم ، فتقول الفقرة : وإن كان العلم المفاض من الله تعالى بشيء ضئيل لا اعتبار به فإنَّ الإحاطة به لا تكون إلا بمشيئة منه سبحانه . وها هنا نكتة خفيّة جداً ، وهي : أنَّ الفقرة تُريد أن تُشير إلى العلم بشيء ما قد يحصل ، وبإذن تكويني مُسبق ، ولكنَّ هنالك شيئاً أرفع وأشرف من نفس مستوى العلم الإمكاني ، وهو الإحاطة بالشيء المعلوم ، فهذه المرتبة الثانية تتوقَّف على مشيئة منه تعالى ، إذن لا يكفي العلم بالشيء لتحقيق الإحاطة به ، فالإحاطة أمر تحضر فيها جميع تفاصيل المعلوم لدى العالم به ، ولعلَّ لأجل
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 61 ، ص 306 . ( 2 ) انظر : جامع البيان : ج 3 ، ص 14 . .