تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا . . . ( الرعد : 17 ) ، وكلّ ممكن محدود بإمكانه ، فهو بقدر مقدور ، مقهور بإطلاق الواجب وقهَّاريته ، فالعلم وإن كان مُفاضاً منه سبحانه ، ولكنَّه أشبه بمن اغترف غُرفة من النهر ، فارتوى والنهر على حاله ، فلا النهر بخُل في عطائه ، ولا الآخذ قادر على ملء أكثر من إنائه .

النكتة الثانية : هل العلم المفاض يُساوي مقداره في العلم الإلهي ؟

ومع أنَّ العلم المفاض ، من الواجب المطلق إلى الممكن المقيَّد ، فإنَّ هذا العلم وبحدوده يختلف بحسب النسبة ، فإن نُسب إلى منشئه سبحانه فهو علم إحاطي تامّ بمعلومه ، غير محفوف بجهالة أو غفلة ، وغير مُنفكٍّ عن الوحدة العلمية الحقَّة القاهرة لعلم الكثرة ، فالعلم له وحده ، منه يبتدئ وإليه ينتهي ، كما جاء في قال تعالى : . . . إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ ( يوسف : 83 ) . وإن نُسب ذلك المفاض إلى مُتلقّيه فإنه علم جزئي محدود ، محفوف بالجهالة والغفلة ، مقهور بعلم ما فوقه . هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى : إنَّ العلم المفاض بشيء ما لا يلزم منه العلم بتفصيله ، فهو عادة ما يكون علماً بوجه ما ، وليس علماً بالكُنه . وهذا واضح ، بمعنى أنَّ نقطة الاشتراك في العلم المحدود بمعلومٍ ما تفترق جهة العلم به ، بين العلم بالكُنه ، وهو العلم الواجبي ، وبين العلم بوجه ما ، وهو العلم الإمكاني ، فعلمه سبحانه أصالي ، وعلمنا تبعيّ ، فالعلم كلّه لله تعالى ، ولا يوجد من العلم عند عالم إلا وهو شيء من علمه تعالى . والذي يظهر من ذلك أنَّ من طبع الإنسان الجهل ، فلا يُرزق من العلم إلا محدوداً مقدّراً . وقد ورد في الخبر عن أبي حمزة الثمالي قال : ( قلت لعليّ بن الحسين عليهما السلام : لأيّ علّة حَجب الله عزَّ وجلَّ الخلقَ عن نفسه ؟ قال : لأنَّ الله تبارك وتعالى بناهم بنية على الجهل . . . ) « 1 » .
هامش
( 1 ) علل الشرائع ، للصدوق : ج 1 ، ص 119 ، ح 2 . .