تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤

قوله تعالى : ( وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء )

بعد أن اتّضح بمقدارٍ ما مِلكه ومُلكه للوجود بأسره ، وعلمه وإحاطته بذلك كلّه ، وأن لا شيء يخرج البتّة عن حكمه وسلطانه ، وليس للشفعاء والوسائط التكوينة أن تُحدث تأثيراً بغير إذن تكويني منه ، بعد ذلك اتجهت الآية في هذه الفقرة الجديدة إلى بيان حقيقة جديدة من حقائق العالم الإمكاني ، وحقيقة فاردة من حقائق وعلم الواجب سبحانه وتعالى . أما الحقيقة الإمكانية المتعلّقة بالشفعاء والوسائط فهي أنَّ هذه الوسائط لا تقوم بفعل وأمر إلا وهي عالمة به ، بمعنى أن من لوازم وسائطيتها وشافعيتها أن تكون عالمة بفعلها ، ولكنَّ العلم اللازم وفقاً لمؤدَّى فقرة البحث هو ليس علماً نتج عن عقول ومخزون الشفعاء ، وإنما هو علم مُفاض من الله تعالى عليهم . وهذه مفارقة كبيرة ، فإننا في جميع علومنا الحصولية وغير الحصولية التي نتلقّاها من الآخرين بفعل الدرس والتحصيل تكون نسبة العلوم المُتحصَّلة إلينا لا إلى الجهة المأخوذة منها ، وإن كانت تلك الجهة واسطة حقيقية في إيصال العلم والمعلومات إلينا ، ولكننا بفعل قيام العلم في نفوسنا ننسب العلم إلينا ، وهنا يتقاطع العرض القرآني مع فكرتنا التعليمية الساذجة ، حيث ينسب الله تعالى جميع ما تعلمناه منه تكويناً وتلقيناً إليه وحده ، ولذلك لم يقل : ولا يُحيطون بشيء من علومهم ، وإنما قال : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شاء ، فهنالك افتراض بأننا لدينا علم ، وهذا العلم المُفاض منه تعالى علينا - كوسائط وشفعاء - علم يسير محدود قاصر عن الإحاطة بكلِّية علمه تعالى فضلًا عن تفصيله . وها هنا عدّة أسئلة مهمّة تتضمن نكات عميقة ، ينبغي الوقوف عندها ، وهي :

النكتة الأُولى : ما هو سرّ محدودية العلم المفاض منه علينا ؟

لا ريب بأنَّ السرَّ يكمن في قصور القابل لا في قدرة وفيض الفاعل ، فالفاعل فيَّاض لا بُخل في ساحته ، ولكنه بحسب التعبير القرآني : أَنزَلَ مِنَ