وما أدقَّ تعبيره سبحانه في قوله : . . . عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ( سبأ : 3 ) ، وسوف
تأتينا في بحوث التفسير الموضوعي بيانات تفصيلية في معنى علم الله الإحاطي بالوجود ، ولوازم هذا العلم الفارد وعلاقته بسيرنا الكمالي .
وبالجملة قوله : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ، كناية عن إحاطته تعالى بما هو حاضر معهم ، موجود عندهم ، وبما هو غائب عنهم آتٍ خلفهم ، ولذلك عقّبه بقوله تعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء ، تبييناً لتمام الإحاطة الربوبية والسلطة الإلهية ، أي : إنه تعالى عالم محيط بهم وبعلمهم ، وهم لا يحيطون بشيءٍ من علمه إلا بما شاء .
من هنا يتّضح وجه العلاقة بين فقرة البحث : ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) ، بالفقرة التالية : ( وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء ) ، فهي علاقة أشبه بعلاقة التقييد ، كما مرَّ في فقرتين سابقتين .
بقي أن نُشير إلى المراد من قوله : مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ، هو علمه تعالى بما هو حاضر عندهم وما هو غائب عنهم ، أو ما هو مشهود لهم وما هو غير معلوم لهم ، فيكون التعبير كنائياً ، أي أنَّ المراد بما بين أيديهم : ما هو حاضر مشهود معهم ، وبما خلفهم : ما هو غائب عنهم بعيد منهم ، كالمستقبل من حالهم ، ويؤول المعنى إلى الشهادة والغيب ؛ وبالجملة قوله : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ كناية عن إحاطته تعالى بما هو حاضر معهم موجود عندهم ، وبما هو غائب عنهم آت خلفهم .
والخلاصة أنَّ الله تعالى عالم بكلّ شيء ، وأنَّ الإذن الذي أعطاه للشفعاء ليس إذناً مُخرجاً للشيء عن قيُّومية الله تعالى وسلطانه ، وذلك لأنَّ كلّ ما عداه مملوك له ومُحيط به ، فهو عالم بما بين أيديهم وما خلفهم ، بمعنى الإحاطة بكلّ ذلك ، فلا يعزب عنه شيء البتّة .
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 283
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٣