وفي ذلك يقول الطباطبائي إنَّ : ( ضمير الجمع الغائب راجع إلى الشفعاء الذي تدلّ عليه الجملة السابقة . . . ولا ينافي إرجاع ضمير الجمع المذكّر العاقل وهو
قوله : " هم " في المواضع الثلاثة إلى الشفعاء ما قدّمناه من أنَّ الشفاعة أعمُّ من السببية التكوينية والتشريعية ، وأنَّ الشفعاء هم مطلق العلل والأسباب ، وذلك لأنَّ الشفاعة والوساطة والتسبيح والتحميد لَمَّا كان المعهود من حالها أنها من أعمال أرباب الشعور والعقل ، شاع التعبير عنها بما يخصّ أولي العقل من العبارة ، وعلى ذلك جرى ديدن القرآن في بياناته ) « 1 » .
إذن فمفردة الشفاعة وإن لم تأتِ بلفظ الجمع إلا أنها جاءت بمعنى الجمع ، فالذين يشفعون ليسوا واحداً بطبيعة الحال ، كما أنَّ الوسائط ليست مفردة ، وهذا واضح ، ولذلك صحّ إرجاع ضمير الجماعة عليها .
ثمَّ إنَّ علمه تعالى المطلق يستدعي الإحاطة بالمعلوم ، فعلمه تعالى بالأشياء ليس معلوماتياً ، بمعنى انفصال المعلومة عن معلومها ومتعلّقها ، وإنما علمه بها بمعنى حضورها أمامه وشُهوده عليها والإحاطة بها ، كما صرَّح جلَّت قدرته بذلك في قوله تعالى : . . . وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً . . . ( يونس : 61 ) ، فنحن قد نعلم بشيء ما ولكن دون أن تحصل لنا إحاطة به ، فعلمنا معلوماتي صرف ، بل وكم من عمل نعمله بغفلة منّا ، فلا نكون شهوداً حتى على أعمالنا تلك .
ولقد جاء وصف إحاطة علمه بالوجود بأسره فيكون علمه الإحاطي بالشفعاء جميعاً من باب أولى ، وذلك في قوله تعالى : . . . وَأَنَّ اللَهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ( الطلاق : 12 ) ، علماً بأنَّ الإحاطة تستلزم العلم بجميع التفاصيل ودقائق الأُمور ، فلا يعزب عنه شيء ، وهذه صفة تفرَّد بها المولى جلَّ وعلا ،
هامش
( 1 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 334 . .