الرازي حيث يقول : ( وأما قوله : مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، فليس المراد نفي
الشفاعة وقبولها ، كما في هذه الآية ، حيث ردَّ عليهم قولهم ، وإنما المراد عظمة الله تعالى ، وأنه لا ينطق في حضرته أحد ولا يتكلّم كما في قوله تعالى : لَّا يَتَكَلَّمُونَإِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى ) « 1 » .
ولكنك قد عرفت إجمالًا بأنَّ القدر المُتيقَّن منها هو خصوص الشفاعة التكوينية المتعلّقة بنظام الأسباب والمسبّبات ؛ قال الطباطبائي : ( إنَّ الشفاعة من مصاديق السببية ، فهي توسيط السبب المتوسّط القريب بين السبب الأوّل البعيد ومسبّبه ، هذا ما يتحصّل من تحليل معنى الشفاعة التي عندنا . . . فانطباق معنى الشفاعة على شأن الأسباب والعلل الوجودية المتوسّطة واضح لا يخفى ، فإنها تستفيد من صفاته العليا من الرحمة والخلق والإحياء والرزق وغير ذلك إيصال أنواع النعم والفضل إلى كلّ مفتقر محتاج من خلقه ، وكلامه تعالى أيضاً يحتمل ذلك ، كقوله تعالى : لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . . . وقوله : إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ( يونس : 3 ) ، فإنَّ الشفاعة في مورد التكوين ليست إلا توسّط العلل والأسباب بينه وبين مسبّباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها ، فهذه شفاعة تكوينية ) « 2 » .
ولكنه قدس سره يُصرِّح في البحث الروائي للآية بأنَّها تشمل الشفاعتين معاً ، حيث يقول : ( إنَّ الشفاعة في الآية مطلقة تشمل الشفاعة التكوينية
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : ج 10 ، ص 289 - 290 . والآية الأولى : النبأ : 38 ، والثانية : النجم : 26 . هكذا موجود في الكتاب بخلاف ما عليه في المكتبة الشاملة بخصوص الآيتين ، حيث اكتفت المكتبة بإكمال الآية الأُولى فقط .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 1 ، ص 159 - 160 . .