إنَّ هذه الفقرة تنطلق من استفهام استنكاري مُؤدَّاه النفي « 1 » ، فيكون مفاد
الفقرة ليس هنالك أحد يشفع عنده ، ولكنَّ هذا النفي المطلق وقع فيه استثناء لفئة يحصلون على إذن منه تعالى بتقديم الشفاعة ، وهذا الإذن مساوق للقبول ، إذ لا معنى لإعطاء الإذن مع إمكان الردّ والرفض ، ونظراً لكون الشفيع مقبولة شفاعته فإنَّ الإذن لا يُعطى لكلّ أحد ، كما أنَّ المأذون له بالشفاعة لا يُمكنه الشفاعة لكلّ أحد ، وإنما لمن أُذن له فيه ، ومن جملة الإذن إطلاق الشفاعة أيضاً ، كما لو جاء الإذن لأحد بأن يشفع لمن شاء من أهله ومعارفه ، فله الشفاعة في ذلك ، ولكن الشفيع - بحسب قراءتنا لموضوعة الشفاعة - إنما يشفع بحسب مقامه ، وهذا المقام يفرض عليه تبعاً لكماله أن يتحرَّك في ضوئه ، بمعنى أنَّ الشفيع مقيَّد بكمال مقامه الذي يفرض عليه مستوى ما من مستويات الشفاعة ، فالبعض قد ينقدح في نفسه أنه لو تمكَّن من الشفاعة فإنه سوف يشفع للجميع ، فلا يترك فرداً يُعذَّب في النار « 2 » ، أو من يعتقد أنَّ الشفاعة مانعة من أصل دخول المسلم النار أو مانعة من الخلود فيها ، وهذه مجرّد أمانٍ فارغة تنمّ عن جهل بمقام الشفاعة وخصوصياتها .
وأما معنى الشفاعة فمن الواضح أنَّ المعنى الاصطلاحي لأيّ مفردة لا يأتي بعيداً عن المعنى اللغوي لها ، من هنا تأتي أهمّية المعاني اللغوية للمفردات لأنها تعدّ البذرة التي تبلور المعنى الاصطلاحي ؛ مما يسهّل بناء النظرية على نحو منسجم لا تتعارض فيه المعاني اللغوية والاصطلاحية . بناءً على ذلك نجد أنَّ المعنى اللغوي للشفاعة بقي محفوظاً في الاستعمال الاصطلاحي أيضاً ،
هامش
( 1 ) انظر : التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : جلد 7 ، ص 10 .
( 2 ) يُروى عن بعض المتصوّفة - قيل إنه الشبلي - أنه كان يقول : إنه لن يترك في النار فرداً يُعذَّب ، وسوف يكون سبباً في إخراج آخر فرد منها وهو الشيطان . وربما قال ذلك طمعاً في رحمة الله تعالى لا تبعاً لمقامه . .