تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وهنا يُوجد استعمالان : الأوّل هو المتعارف والمستخدم في المجتمعات العقلائية ، والثاني هو الذي ورد في القرآن الكريم وروايات النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وأئمّة أهل البيت عليهم السلام ، وهذان الاستعمالان وإن اشتركا في المعنى اللغوي ، إلا أن مصداق أحدهما غير الآخر ولا علاقة له به ، فالشفاعة العقلائية تختصّ بالأمور العرفية والاجتماعية ، ولا علاقة لها بالأمور التكوينية ، كما أنها لا تخضع لضابطة محدّدة بلحاظ ضوابط عالمَي التشريع والتكوين ، بل هي قائمة على أساس الوجاهة أو الرابطة الخاصّة من قربى أو بذل مال أو غير ذلك من الأمور التي تؤثّر على الحاكم أو من بيده تحديد القرار ، فيعفو عن المذنب الذي لا يستحقّ العفو ويعطي غير المستحقّ ما لا يستحقّه ؛ وأما الشفاعة التكوينية في اصطلاح القرآن فإنه يُراد بها توسّط العلل والأسباب بينه تعالى وبين مسبّباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها ، فكلّ سبب من الأسباب يشفع عند الله لمسبّبه بالتمسّك بصفات فضله وجوده لإيصال نعمة الوجود إلى مسبّبه ، فنظام السببية بعينه ينطبق على نظام الشفاعة « 1 » . فالشفاعة على المعنيين معاً تعني التوسّط في إيصال الخير أو دفع الشرّ وتصرّف ما من الشفيع في أمر المُستشفع ، ثمَّ إنَّ الشفاعة الواردة في هذه الفقرة من الآية وإن كانت هي الشفاعة الأعمّ من الشفاعة التكوينية فتشمل التشريعية أيضاً « 2 » ، إلا أنَّ القدر المُتيقَّن منها هو الشفاعة التكوينية ، ولكنَّ هنالك من يرى بأنها شفاعة تشريعية أُخروية ، كالزمخشري حيث يقول : ( بيان لملكوته وكبريائه ، وأن أحداً لا يتمالك أن يتكلّم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام ، كقوله تعالى : لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن . . . ) « 3 » ، والفخر
هامش
( 1 ) انظر : الشفاعة ( بحوث في حقيقتها وأقسامها ومعطياتها ) ، للسيد الحيدري : ص 12 - 19 . ( 2 ) انظر : المصدر السابق : ص 20 . ( 3 ) تفسير الكشَّاف : ج 1 ، ص 296 . والآية المذكورة : النبأ : 38 . .