المحدود بالقياس إلى وجوده الواجبي هو مطلق بالنسبة إلينا لعدم قدرتنا على
الإحاطة به ، بل ما هو أدنى من ذلك غير قابل للإحصاء ؛ قال تعالى : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( النحل : 18 ) ، والذي يظهر من كلمات المُتكلِّمين هو انحصار الإطلاق به تعالى ، ومحدودية كلّ ما عداه جمعاً وتفريقاً .
ولكننا إذا انطلقنا من زاوية أُخرى فالأمر يختلف تماماً ، وهي زاوية الفعل نفسه ، فإنَّ من الثابت في محلِّه ضرورة وجود مُسانخة بين الفاعل وفعله ، وبالتالي فإنَّ الفاعل في المقام - وهو الله تعالى - مطلق ، فلابدَّ أن يكون فعله مطلقاً أيضاً ، لنكتة المُسانخة ، وهذا ما انتهى إليه الطباطبائي ، حيث يقول : ( أطبقت البراهين على أن وجود الواجب تعالى بما أنه واجب لذاته مطلق ، غير محدود بحدٍّ ولا مقيّد بقيد ولا مشروط بشرط ، وإلا انعدم فيما وراء حدِّه وبطل على تقدير عدم قيده أو شرطه ، وقد فُرض واجباً لذاته ، فهو واحد وحدة لا يُتصوَّر لها ثانٍ ، ومطلق إطلاقاً لا يتحمّل تقييداً . وقد ثبت أيضاً أنَّ وجود ما سواه أثرٌ مجعولٌ له ، وأنَّ الفعل ضروري المسانخة لفاعله ، فالأثر الصادر منه واحد بوحدة حقّة ظلّية مطلق غير محدود ، وإلا تركَّبت ذاته من حدٍّ ومحدود ، وتألَّفت من وجود وعدم ، وسرت هذه المناقضة الذاتية إلى ذات فاعله لمكان المسانخة بين الفاعل وفعله ، وقد فُرض أنه واحد مطلق ، فالوجود الذي هو فعله وأثره المجعول واحد غير كثير ، ومطلق غير محدود ، وهو المطلوب ) « 1 » .
فإن قلت : إنَّ صفة الممكن الفقد والنقص ، وهذا إنما يُناسب القول بالمحدودية لا بالإطلاق ، فالإطلاق هو التناهي في الكمال ، وقد فُرض النقص والفقد في الممكن .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 13 ، ص 75 . .