تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
لُوحظ في الخطاب باعتباره كائناً بين السماوات والأرض ، فأرادت الآية أن تُنبِّه إلى أنَّ المظروف عموماً والإنسان خصوصاً يتَّصف بالملكية والعبودية لله تعالى ، هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى إنَّ السماوات والأرض لا يُتصوَّر فيهما المعصية ، فطاعتهما التكوينية محرزة ، وقد نبَّه القرآن الكريم لذلك في قوله تعالى : ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( فصّلت : 11 ) ، فكان لابدَّ من تذكّر من يُحتمل وقوع المعصية منه ، وهو المظروف بوجوده العامّي والإنسان بوجوده الخاصّي ، بأنه مملوك لله تعالى وعبد له ، فلا معنى لعصيان أوامره ما دام العاصي عاجزاً عن الخروج عن دائرة مالكيته سبحانه . تنبيه : إنَّ التعبير بمالكيته لما في السماوات وما في الأرض كما أنه شامل لنفس السماوات والأرض فإنه شامل أيضاً لكلّ ما في عالم الإمكان ، فكلّ ما في عالم الإمكان إما أن يكون أرضياً أو سماوياً ، وقد ثبتت مالكيته لذلك كلّه ، فهو مالك لعالم الإمكان بأسره ، فالسماوات والأرض تعبير مُساوٍ لعالم الإمكان بأسره ، ولهذه النتيجة صلة وثيقة في موضوعة فعله تعالى من حيث الإطلاق وعدمه ، وهذا ما سنقف عنده في النقطة التالية .

الخامس : حدود فعله المُتمثِّل بالسماوات والأرض

في ضوء ما تقدّم يترشّح سؤال حول حدود فعله ، فقد اتّضح بأنَّ التعبير بقوله : ( لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ) هو تعبير عن عالم الإمكان بأسره ، وعالم الإمكان هو فعله وأثره سبحانه ، فلا وجود ثالث بين الوجود الواجبي والوجود الإمكاني ، فكلّ ما عداه في الوجود فهو ممكن ، ومن البيِّن أنَّ الوجود الواجبي مطلق ، فهل الوجود الإمكاني كذلك أم أنه وجود محدود ؟ الجواب هو : إننا إذا انطلقنا من ضرورة انحصار الإطلاق به ، فلا ريب بأنَّ ما عداه بمفرداته وبجمعيته وجود محدود مهما اتّسعت دائرته ، وهذا الوجود