تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
فلام الملك في المقام تُثبت جميع أنواع الملكية لله سبحانه ، سواء كانت ملكية حقيقية ، وهي من مختصّاته ، أم اعتبارية تغلب على الوجود الممكن . جدير بالذكر أنَّ هذه الملكية المطلقة قد رافقتها شُبهات من حيث النتائج ، حيث ذهب البعض إلى أنها دليل صريح على كون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، فأفعالنا من مفردات الوجود الإمكاني في السماوات والأرض ، وبالتالي كما نحن ملك له فكذلك أفعالنا ، فليس ما في السماوات والأرض إلا وهو ملك لله سبحانه وحده . قال الفخر الرازي : ( واعلم أن الأصحاب قد احتجّوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، قالوا : لأنَّ قوله : لهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ، يتناول كلّ ما في السماوات والأرض ، وأفعال العباد من جملة ما في السماوات والأرض ، فوجب أن تكون منتسبة إلى الله تعالى انتساب الملك والخلق ، وكما أنَّ اللفظ يدلّ على هذا المعنى فالعقل يؤكّده ، وذلك لأنَّ كلّ ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يترجّح إلا بتأثير واجب الوجود لذاته ، وإلا لزم ترجّح الممكن من غير مرجّح وهو محال ) « 1 » . ومُؤدّى هذا هو القول بالجبرية في أفعال الإنسان ، وإنكار لقانون العلية والسببيَّة والمُسبّبية ، وهو مذهب الأشاعرة القائلين بنظرية الكسب ، فالله تعالى يخلق أفعالنا ونحن لا نملك إلا كسبها ؛ وإنكار نظام السببية لازمه إنكار موضوعة الشفاعة التكوينية ، كما سيأتي . هذا ، وسوف نتعرَّض لبعض بيانات الشفاعة في هذا الفصل ، لنقف بعدها عند الإشكالية الآنفة في بحوث التفسير الموضوعي للآية ليتبيَّن لنا الوجه الصحيح الذي يتعلَّق بمعنى الإفاضة للفعل عند إرادة الإنسان له بعد توفّر مقدّماته .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) : جلد 7 ، ص 10 . .