في المقطع : ( لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ) ، فاللام تدلّ على الملكية - كما تقدّم - وتقدّمها يدلّ على الانحصار ، فينتج من ذلك انحصار ملكية ما فيهما به سبحانه .
وأما المطلب الثاني المتعلِّق بسرّ الانحصار به ، فذلك مُقتضى خالقيته سبحانه لهما وما فيهما ، فهو العلّة التامّة في إيجادهما وديمومتهما ، ولو أوكل تدبيرهما فضلًا عن ملكيتهما لغيره لساختا ، وقد عرفت أنَّ مقتضى قيّوميته المطلقة عود ما عداه إليه بالملكية والتدبير ، وهذه الملكية والتدبير تُشكلان مفاد الربوبية ، فإنَّ معنى الربوبية هو الملك والتدبير .
وأما المطلب الثالث المُتعلِّق ببيان الفرق بين المِلك والمُلك ، وتحديد المعني منهما في الآية الكريمة ، فإنَّ معنى مِلكه تعالى - بالكسر - للموجودات هو قيام ذوات الموجودات وما يتبعها من الأوصاف والآثار بالله سبحانه ، وهذا هو المُراد الأوّل في قوله تعالى : ( لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ) ، فالجملة تدلّ على ملك الذات وما يتبع الذات من نظام الآثار ، وأما مُلكه تعالى - بالضمّ - لها فيُراد به نفس التصرّف والتدبير ، وهو أمر لازم لأصل قيام الموجودات به ، فيكون هذا المعنى مُراداً أيضاً ، ولكن في طول الأوّل ، فهو المالك لكلّ شيء على الإطلاق ، فله أن يتصرّف فيها كيف شاء ، فكلّ تدبير وتصرف يقع في العالم فهو له ، إذ لو كان شيء من التدبير لغيره لا له ، كان مالكه ذلك الغير دونه ، وإذا كان التدبير والتصرّف له تعالى فهو ربّ العالمين .
علماً بأنَّ تصرّفه وتدبيره وإن كانا مُطلقين من كلّ قيد خارج عنه ، إلا أنه سبحانه قرن فعله بحكمته ورحمته ، فإطلاق تدبيره وفعله ليس بالمعنى الأشعري ، ومن باب أولى أن لا يكون بالمعنى المعتزلي ، وإنما هو إطلاق مقرون بحكمته ورحمته .
إذن فهذه الفقرة من الآية كما تُثبت مِلكه للأشياء فكذلك تُثبت مُلكه لها ،
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 265
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٦٥